لقاء برّاك – بري: محاولة أخيرة لكسر الانسداد أم تسوية محكومة بالفشل؟

في جولته الثالثة إلى بيروت خلال أقل من شهر، بدا الموفد الأميركي توم برّاك وكأنه يختبر قدرة النظام اللبناني على إنتاج تسوية من دون انهياره، وقدرته هو على فرض أجندة الحد الأدنى من دون انفجار. فالتوقيت ضاغط، والرسائل الأميركية هذه المرة جاءت واضحة: لا تفاوض بلا التزام لبناني بسحب سلاح “حزب الله”.

فعلى مدى ثلاثة أيام من اللقاءات والاجتماعات السياسية، بدا أن برّاك يسعى إلى استكشاف فرصة أخيرة لإطلاق مسار تفاوضي حقيقي يُجنّب لبنان الانفجار، لكنه يصطدم بعقبة هيكلية: ملف سلاح “حزب الله”، الذي لا يزال عالقاً في منتصف الطريق بين منطق الدولة ومنطق “المقاومة”، في ظل تصعيد إسرائيلي متزايد على الحدود، وضغط أميركي غير مسبوق في لهجته.

ورغم أن بداية الزيارة بدت متوترة، إلا أن لقاء برّاك مع رئيس مجلس النواب نبيه بري فتح نافذة دبلوماسية جديدة، ولو ضيقة، تتيح فرصة لمبادرة لبنانية مشروطة، قابلتها واشنطن بتشدد لافت، وردّها الحزب بموجة سخرية إعلامية.

تشدد أميركي ومبادرة لبنانية مشروطة

منذ لحظة دخوله إلى السراي الحكومي، لم يترك برّاك انطباعًا بأنه في وارد المناورة. فقد نقل موقفًا حازمًا للإدارة الأميركية، يشترط التزامًا لبنانيًا واضحًا ومُعلنًا بسحب سلاح “حزب الله”، مرفقًا بجدول زمني وتواريخ تنفيذ، مقابل أي محاولة لخفض التصعيد أو فتح مسار تفاوضي مع إسرائيل.

هذا الموقف فاجأ بعض المسؤولين اللبنانيين الذين كانوا يتوقعون مقاربة أكثر مرونة، أو طرحًا متدرجًا على الأقل. لكن برّاك لم يبدِ استعدادًا لتقديم أي تنازلات من دون خطوات لبنانية جدية، وهو ما دفع بري، خلال لقائهما في عين التينة، إلى طرح مبادرة “واقعية” وفق تعبيره.

تقضي المبادرة بانسحاب جزئي إسرائيلي من بعض النقاط الحدودية المتنازع عليها جنوبًا، يتزامن مع إخلاء “حزب الله” لمناطق جنوب الليطاني من السلاح الثقيل، تمهيدًا لبدء تنفيذ بند “حصرية السلاح” بموجب تفاهم تدريجي طويل الأمد، تشرف عليه الولايات المتحدة وتضمنه الأمم المتحدة، ضمن استراتيجية دفاعية جديدة تحفظ السيادة ولا تُفرّط بالحزب دفعة واحدة.

الحزب يسخر.. لكنه لا يُقفل الباب

رد “حزب الله” على زيارة برّاك لم يتأخر. فمن خلال قناة “المنار”، وصف الحزب الموفد الأميركي بـ”الواعظ”، معتبرًا أن بلاده لم تقدم أي دعم حقيقي للاستقرار لا في لبنان ولا في الإقليم. الرسالة الإعلامية بدت أقرب إلى استعراض معنوي منها إلى موقف رسمي، لكنها عكست بوضوح تمسّك الحزب بعدم تقديم أي تنازل مجاني في ملف السلاح، لا سيما في ظل غياب أي ضمانات أميركية أو إقليمية واضحة.

مع ذلك، لم يُقفل الحزب الباب تمامًا أمام التفاوض، تاركًا المجال مفتوحًا أمام قراءة أكثر مرونة إن توافرت شروط ملائمة. فصمت القيادة السياسية للحزب عن التفاصيل، وغياب أي بيان رسمي رافض بشكل قاطع، يُفهَم ضمنًا على أنه انتظار للرد الأميركي على المقترح اللبناني أكثر منه إنهاء لمسار النقاش.

فرنسا تدخل على الخط

وفي ظل غياب أي اختراق أميركي، بدت باريس وكأنها تعود إلى واجهة المشهد. فقد أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الحكومة نواف سلام يوم الخميس في زيارة رسمية أولى له إلى باريس، ستُركّز على أمن لبنان، الإصلاحات الاقتصادية، دعم الجيش، والتعاون مع “اليونيفيل”.

المفاجأة أن هذه الزيارة أُعلنت بعد ساعات من لقاء برّاك ببري، ما يوحي بأن فرنسا تحاول استعادة دورها التوازني في الملف اللبناني، ربما بهدف تأمين خط تفاوضي أكثر مرونة، يتيح للأطراف تجنب الانزلاق نحو التصعيد.

وفي هذا الإطار، علمت “النهار” أن رد بري على الورقة الأميركية جاء بالتنسيق الكامل مع رئيسي الجمهورية والحكومة، ويعبّر عن موقف لبناني موحّد، خصوصًا في ما يتصل بحصرية السلاح ودور الدولة في قرار الحرب والسلم. وهذا التنسيق الثلاثي يشكل تطورًا سياسيًا لافتًا، يعكس إدراكًا داخليًا بأن المرحلة لا تحتمل الانقسام أو التباين العلني.

الخطر في الجنوب.. وتحذيرات من التصعيد

بينما كانت عين التينة تستضيف اللقاء بين برّاك وبري، كانت القوات الإسرائيلية تقوم بخرق بري واضح، مع توغل بري لقوة مشاة إسرائيلية مؤلفة من نحو 20 جنديًا داخل الأراضي اللبنانية في سهل الماري. العملية شملت تفتيش منازل واعتقالًا مؤقتًا لعمال سوريين، ما أثار قلقًا واسعًا في قرى العرقوب، التي باتت تشهد تصعيدًا شبه يومي.

العملية التي تمّت في وضح النهار وداخل منطقة مأهولة بالسكان، تأتي لتؤكد أن الجنوب لا يزال في عين العاصفة، وأن أي تأخير في الوصول إلى تفاهم سياسي قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري تدريجي، كما حذّر وجهاء المنطقة.

كما علمت “النهار” من مصادر دبلوماسية أن الولايات المتحدة لم تتخذ قرارًا بعد بشأن التمديد لقوات “اليونيفيل”، وأن استياء يسود واشنطن من جمود الحكومة اللبنانية، ما يهدد بفراغ أمني خطير على الجبهة الجنوبية، إذا لم يُملأ بمبادرة دبلوماسية جدية.

جعجع يهاجم و”الرد اللبناني” محل تشكيك

في موقف عالي النبرة، اعتبر رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أن الرد اللبناني على المقترحات الأميركية جاء متماهياً مع موقف “حزب الله”، وجرى تقديمه من دون العودة لا إلى الحكومة ولا إلى المجلس النيابي.

جعجع رأى أن السلاح غير الشرعي لم يعد مشكلة أميركية أو إسرائيلية، بل مشكلة لبنانية صرفة، تمنع عودة الدولة وتضعف السيادة، وتُفقد لبنان دعم أصدقائه في الشرق والغرب.

وفي ما بدا وكأنه تحذير مبطن، اعتبر أن ما يحصل يعيد لبنان سنوات إلى الوراء ويعرضه لمزيد من المآسي، محملًا المسؤولية لمن يقف وراء هذا الرد.

نافذة مفتوحة.. أم لحظة ضائعة؟

تُختَتم زيارة برّاك الثالثة بلا خرق حاسم، لكنها أعادت تثبيت الملف على الطاولة، مع مبادرة لبنانية قابلة للتفاوض إذا ما توفرت الإرادة الدولية.

المشهد الآن أشبه بلحظة توازن حرجة: بين فرصة لفتح نافذة تفاوضية جديدة، وخطر انزلاق سريع إلى مواجهة ميدانية مفتوحة جنوبًا، أو تصعيد سياسي داخلي لا يقل خطورة.

كما قال برّاك: “نحن نحرز تقدمًا… لكن الوقت يداهمنا.” فهل تلتقط الأطراف اللحظة؟ أم يُترَك لبنان مجددًا على حافة السقوط، بين فكيّ الضغط الأميركي والتصلّب الداخلي؟

إقرأ أيضا: ورقة بري تشعل بصيص أمل في مهمة براك المتعثرة: الموقف الشيعي يخرج من الظلّ!

السابق
بالفيديو: ما حقيقة توقيف خليتين خطيرتين في عاليه ودوحة عرمون؟ 
التالي
هل تبدأ المحاسبة اليوم؟.. مجلس النواب أمام اختبار رفع الحصانات