رغم زحمة اللقاءات التي أجراها براك أمس مع الرؤساء الثلاثة ومجموعة من الشخصيات السياسية، لم تفلح جولته الأولى في كسر الجمود الفعلي. فتصريحاته حملت أكثر من إشارة على محدودية مهمته، وعلى تراجع الرهان اللبناني على دور أميركي “ضاغط” على إسرائيل. الرجل كان صريحًا: “لا نستطيع إرغام إسرائيل على شيء”، و”لا ضمانات يمكن تقديمها”.
لكن في اليوم الثاني، تغيّر المزاج السياسي والإعلامي. فبعد اللقاء المطوّل الذي جمعه برئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة، خرج براك بعبارة جديدة: “اللقاء كان ممتازاً”، موحيًا بتحوّل ما، ولو جزئي، في مسار المفاوضات المعقّدة. فماذا جرى في عين التينة؟
بري يدخل على خط “نزع السلاح”: ورقة منفصلة بصيغة واقعية
كشفت مصادر متقاطعة أن الرئيس نبيه بري قدّم للموفد الأميركي ورقة منفصلة عن تلك التي حملها الردّ الرسمي الثلاثي، صيغت بالتنسيق مع “حزب الله”، وتحمل موقفًا شيعيًا موحّدًا من المقترحات الأميركية. الورقة، بحسب المعلومات، لا ترفض مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، لكنها تطرح مقاربة تدرّجية لحل هذا الملف، مشروطة بثلاثية: وقف العدوان الإسرائيلي، تحرير الأسرى، والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة.
كما تضمنت الورقة حسب محطة الـ mtv اقتراحًا متداولًا يتمثل بأن تبادر إسرائيل إلى وقف شامل للنار لمدة 15 يومًا، كخطوة أولى في اتجاه تهيئة الأرضية لنقاشات داخلية لبنانية تتناول عملية نزع السلاح، بعيدًا عن الضغوط والابتزاز الدولي.
هذه المقاربة التي عُرضت على براك تختلف في مضمونها ونبرتها عن الرد الرئاسي الرسمي الذي اكتفى بتأكيد الالتزام النظري بحصرية السلاح، من دون تحديد آلية أو جدول زمني. من هنا، يُفهم سبب اعتبار لقاء عين التينة “مفصليًا” و”ممتازًا”، لا سيما أنه حمل للمرة الأولى إشارات مباشرة من “الحزب” عبر “وسيطه” بري، من دون الحاجة إلى تخاطب علني مع واشنطن، التي لا تعترف أصلاً بشرعية أي تواصل مباشر مع “منظمة إرهابية”، حسب تصنيفها لـ”حزب الله”.
براك بين الواقعية السياسية والضغط المتدرّج
تصريحات براك كشفت حدود الدور الأميركي، كما أظهرت ميلًا واضحًا إلى تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية المبادرة. قالها بوضوح: “نزع السلاح شأن داخلي”، و”نحن لا نضع مصالح على الأرض”. الرسالة موجّهة: لا ضمانات أميركية لإسرائيل، ولا عصا سحرية لتطويعها، ولا إطار زمني واضح لتفاهم ثلاثي. كل ما في جعبة الموفد هو التأثير والحضّ والدفع.
لكن تسريبات لقاء بري – براك، وما تلاها من تفاؤل نسبي، تشي بأن واشنطن قد تكون اقتنعت بضرورة “الاستماع” لمقاربة لبنانية واقعية تحفظ ماء الوجه للجميع، وتعطي فرصة لحوار داخلي لا يبدو أن وقته قد حان بعد، لكنه لم يُقبر أيضًا.
تصعيد ميداني يضغط… وتشاؤم داخلي يُكابح
تأتي زيارة براك على وقع تصعيد ميداني على الجبهة الجنوبية، وغارات إسرائيلية شبه يومية على مناطق مختلفة من البقاع والجنوب. ومعها، يزداد القلق الدولي من تفجّر شامل يصعب احتواؤه لاحقًا. لكن في بيروت، تستمر لعبة الانتظار والمراوحة. المواقف الرسمية رمادية، والحزب يرفض تقديم أي تنازلات استراتيجية في توقيت يعتبره “غير مؤاتٍ”، وإقليميًا لا يخلو من الابتزاز والمقايضات الكبرى.
ورغم محاولات لجنة الرؤساء الثلاثة (عون، بري، وسلام) إنتاج ورقة موحّدة للرد على الطرح الأميركي، فإن غياب التفاهم الداخلي على أولويات المرحلة، وانعدام الثقة بين الفرقاء، يفرغان تلك المبادرة من مضمونها، وتجعل من ورقة بري البديلة الجسر الوحيد القادر على مخاطبة براك بلغة يفهمها… ولغة “الحزب” في آن معًا.
مستقبل وساطة براك: نحو تدويل ناعم أم خيبة ثالثة؟
يُجمع دبلوماسيون على أن مهمة براك لم تُحسم بعد، لكنها دخلت مرحلة جديدة بعد لقائه برئيس البرلمان. فإذا قبلت واشنطن الانخراط في مقاربة تدرّجية واقعية، فقد يُفتح الباب لمسار تفاوضي طويل النفس، يبدأ بوقف التصعيد ويُبنى على عناصر الحوار الداخلي.
أما إذا أصرّ الأميركيون على صيغة فورية وسريعة لحصر السلاح بيد الدولة، بلا مقابل ولا جدول توافقي، فإن مهمة براك قد تُضاف إلى سجل المبادرات الدولية التي تسقط عند حدود “خصوصية الساحة اللبنانية”.
حتى الآن، لا يمكن القول إن وساطة براك نجحت، لكنها حتمًا لم تفشل. الورقة الشيعية التي سلّمت في عين التينة قد تكون بداية مسار جديد، بشرط أن تتحوّل من مناورة تكتيكية إلى التزام سياسي داخلي جامع. وهل تسمح الظروف بذلك؟ هذا ما ستكشفه الأيام القليلة المقبلة.
اقرأ أيضا: الردّ اللبناني بيد برّاك..ولبنان بين «نزع السلاح» أو العزل!

