الممانعة في اختبارها الأصعب :السويداء، الدروز، والتدخل الإسرائيلي ،من يُعرّي من!؟

السويداء

في السويداء وعلى أطراف جبل العرب، تجري أحداث قد تعيد رسم خطوط الصراع في سوريا، ليس على مستوى الجغرافيا فحسب بل على صعيد المفاهيم والمسلّمات السياسية التي لطالما رفعتها أنظمة ما يُعرف بمحور الممانعة.

مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية، والتي بقيت لسنوات خارج خطوط الاشتباك المباشر، تحوّلت فجأة إلى ساحة مواجهة معقدة،قتال داخلي بين أبناء المدينة والعشائر البدوية، ثم دخول القوات الحكومية إلى تخومها بقيادة السلطة الجديدة في دمشق، برئاسة أحمد الشرع لبسط السيادة الوطنية، لكنّ هذه السيادة ما لبثت أن اصطدمت بجدار محلي متماسك، وأبعد من ذلك بقرار إسرائيلي عسكري مباشر.

عندما يدافع العدوّ عن الاقليات!

في سابقة إقليمية مقلقة، شنّت إسرائيل غارات جوية استهدفت قوات حكومية سورية متقدمة نحو السويداء، مبرّرة تدخلها بالدفاع عن الأقلية الدرزية التي تُعد جزءاً من النسيج الاجتماعي داخل حدود فلسطين المحتلة أيضاً.

وبينما كانت الدبابات السورية تتقدم نحو المدينة كانت الطائرات الإسرائيلية تتدخل لمنعها، ما أدى إلى مقتل وجرح العشرات من الطرفين، بحسب تقارير متقاطعة من رويترز، واشنطن بوست، وفاينانشال تايمز.

المفارقة الصادمة لم تكن في طبيعة التدخل، بل في ما كشفه من تصدّع في الرواية السياسية السائدة، فالرئيس أحمد الشرع، المتهم من إعلام الممانعة  بالعمالة لإسرائيل يتعرّض فيه فعليًا لقصف إسرائيلي مباشر! فهل باتت إسرائيل تقصف عملاءها؟!

أم أن القصف جاء لأن هذا الرئيس  برغم كل الاتهامات قرر أن يُعيد فرض سلطة الدولة على منطقة خارجة عن السيطرة منذ عقد؟

وهل كانت السويداء لتُقصف لو كانت تحت جناح النظام القديم؟ أم أن إسرائيل، ببساطة، لا تمانع من التدخل العسكري عندما يتعلّق الأمر بدروز الجولان والداخل، بغض النظر عمّن يحكم دمشق؟

الأسئلة تتزاحم، والإجابات أكثر خطورة من السكوت، ففي اللحظة التي توغلت فيها القوات السورية، تدخّلت تل أبيب، لا لمواجهة نظام الأسد، بل لمنع تقدّم قوة بديلة عنه.

في تلك اللحظة، تعرّى الخطاب الذي دأب على مساواة كل ما هو خارج السلطة بالعميل، وكل ما هو داخلها بالوطني، وهنا يتضح أن الممانعة لم تكن يومًا موقفًا استراتيجيًا ثابتًا، بل أداة ظرفية لتبرير القمع، طالما أن صاحبه ينتمي إلى المعسكر الصحيح.

الرئيس أحمد الشرع، المتهم من إعلام الممانعة  بالعمالة لإسرائيل يتعرّض فيه فعليًا لقصف إسرائيلي مباشر! فهل باتت إسرائيل تقصف عملاءها؟!

السويداء ليست سورية؟

فحين تُقصف السويداء من السماء، لا أحد يصرخ عدوانًا خارجيًا، بل يُلقى اللوم على القيادة المحلية، وكأن المدينة ليست جزءًا من التراب السوري، أو أن “الدروز” لا يستحقون السيادة ما لم تكن عبر قناة محددة.

لقد كشفت السويداء هشاشة المفاهيم المُلقاة على الطاولة منذ سنوات، من يمثل الدولة؟ من يقرر من هو العدو؟ هل إسرائيل عدو دائم، أم شريك ظرفي في حماية أقليات منتقاة؟ وهل الدروز عنصر شغب يجب تطويعه؟ أم شريك ينبغي احترامه حين يرفض الخضوع لسلطة فاسدة أو لوصاية حزبية؟

في معركة السويداء، لم تتفكك الجغرافيا فقط، بل سقط القناع عن تحالفات كثيرة، تحالفات المصلحة، والوصاية، والتبرير، والقصف الانتقائي باسم السيادة.

السويداء اليوم لا تحارب الدولة، بل تطالب بتعريف جديد لها، والرئيس الذي دخلها ليس قديسًا ولا خائنًا، لكنه في هذا المشهد الملتبس يقف عند مفترق طرق تاريخي، إما أن يفرض مفهومًا جديدًا للشرعية، أو يُحرق بنيران ثلاثية: رفض داخلي، هجوم إعلامي من المحور القديم، وقصف مباشر من إسرائيل.

ربما، للمرة الأولى منذ 2011، لا تكون المعركة حول من يحكم سوريا،

بل حول من يملك الحق في إعادة تعريفها.

اقرا ايضا: لماذا تعارض اسرائيل دخول «جيش الشرع» الى السويداء؟

السابق
بالفيديو: تجدد الغارات الإسرائيلية على دمشق.. كاتس: الضربات الموجعة بدأت
التالي
نتنياهو يمنع دروز اسرائيل عن عبور الحدود: نريد إنقاذ الدروز في سوريا!