لماذا تعارض اسرائيل دخول «جيش الشرع» الى السويداء؟

في خطوة مفاجئة، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، يوم الثلاثاء، سلاح الجو الإسرائيلي بضرب أهداف عسكرية سورية في محافظة السويداء، جنوب سوريا، وذلك بالتزامن مع دخول القوات الحكومية السورية إلى المدينة للمرة الأولى منذ سقوط نظام بشار الأسد.

الضربات الإسرائيلية، التي استهدفت آليات ومواقع تابعة للجيش السوري، جاءت بعد إعلان دمشق نشر قوات تابعة لوزارة الدفاع في محيط السويداء، وهو ما اعتبرته تل أبيب “خرقًا واضحًا” لتفاهمات سابقة تم التوصل إليها برعاية روسية وأميركية، عقب الحرب السورية.

رغم أن الجيش السوري أعلن لاحقًا سحب الآليات الثقيلة من المدينة، وأن مهام الأمن ستُسند لقوى الأمن الداخلي، إلا أن إسرائيل ترى في أي انتشار عسكري للقوات النظامية في الجنوب السوري، خصوصًا تلك المرتبطة بالفيلق الأول أو وحدات النخبة، تهديدًا إستراتيجيًا مباشرًا.

كسر ميزان الردع في الجبهة الجنوبية

منذ عام 2018، بنت إسرائيل بالتفاهم مع موسكو وواشنطن “قواعد اشتباك” غير معلنة تقضي بإبعاد القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها عن الجنوب السوري لمسافة لا تقل عن 40 كيلومترًا من الجولان المحتل. وبقيت السويداء، ذات الغالبية الدرزية، منطقة شبه محايدة وخارج نفوذ مباشر للنظام، ما شكّل نوعًا من التوازن الدقيق في الجبهة الجنوبية.

عودة القوات الحكومية إلى السويداء تعني – من منظور إسرائيلي – احتمالًا بطيئًا ولكن مقلقًا لإعادة تثبيت بنية عسكرية متقدمة للجيش السوري في الجنوب، بما فيها منشآت استطلاع واتصالات وصواريخ أرض – أرض.

هذا ما يفسر الغضب الإسرائيلي من التحرك العسكري السوري الأخير، رغم أن دخوله أتى بعد اتفاق مع وجهاء المدينة وبتفاهم مع الرئاسة الروحية للطائفة الدرزية.

“جيش الشرع” يتمركز تقليديًا في الجنوب السوري، وهو يشكل الذراع المتقدمة للجيش السوري في أي مواجهة محتملة على جبهة الجولان، ويُشتبهان بعض فصائله لها علاقة لوجستية أو تنسيقية مع فصائل مدعومة من إيران مثل “حزب الله”.

الخشية من نشاط إيراني مستتر

وإلى جانب التخوفات التقليدية من عودة الجيش السوري إلى الحدود، ثمّة قلق إسرائيلي من أن يُستثمر الغطاء الرسمي السوري لإعادة إحياء نشاطات أمنية سرية لحزب الله أو الحرس الثوري، مستترًا خلف البزّة الرسمية للجيش النظامي.

فـ”جيش الشرع” يتمركز تقليديًا في الجنوب السوري، وهو يشكل الذراع المتقدمة للجيش السوري في أي مواجهة محتملة على جبهة الجولان، ويُشتبهان بعض فصائله لها علاقة لوجستية أو تنسيقية مع فصائل مدعومة من إيران مثل “حزب الله”.

وبحسب مصادر إسرائيلية، فإن تل أبيب تنظر بعين القلق إلى أي محاولة من دمشق لاستعادة السيطرة الأمنية الكاملة على الجنوب، خصوصًا في المناطق المحاذية للحدود، خشية أن يُستخدم ذلك لاحقًا كغطاء لإعادة تموضع قوات الحرس الثوري الإيراني أو وحدات حزب الله.

وقد اعتبرت دوائر إسرائيلية أن طبيعة القوة التي دخلت السويداء – والتي يعتقد أنها تنتمي إلى وحدات خاصة مدرّبة على العمل خلف الخطوط – لا تهدف فقط إلى فرض الأمن بل إلى تأسيس وجود دائم في المحافظة يمكن توظيفه لاحقًا في المواجهة الكبرى التي تلوّح بها تل أبيب منذ أسابيع ضد ما تسميه “التموضع الإيراني في سوريا ولبنان”.

عودة القوات الحكومية إلى السويداء تعني – من منظور إسرائيلي – احتمالًا بطيئًا ولكن مقلقًا لإعادة تثبيت بنية عسكرية متقدمة للجيش السوري في الجنوب، بما فيها منشآت استطلاع واتصالات وصواريخ أرض – أرض

حكومة الشرع أمام اختبار نيات إقليمي

إسرائيل ليست وحدها التي تراقب بقلق ما يجري في السويداء. فدخول الجيش السوري جاء في توقيت بالغ الحساسية، بعد تصعيد في الجنوب اللبناني، وتوترات داخلية درزية، وضغط أميركي متصاعد على حزب الله وإيران.

لذلك، فإن اختبار نيات حكومة الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع يبدأ من الجنوب: هل يريد إعادة بسط سيطرة الدولة أم التفاوض باسمها على طاولة التوازنات الإقليمية؟

في كلا الحالتين، تعتبر إسرائيل أن أي توسع عسكري غير منسّق في السويداء يمثّل تهديدًا يتطلب الرد الفوري. لذلك قان الضربة الإسرائيلية على السويداء ليست حدثًا عابرًا، بل تعبير صريح عن رفض تل أبيب لأي تغيير في قواعد الاشتباك جنوب سوريا. فإسرائيل لا ترى في انتشار الجيش السوري مجرد استعادة للسيادة، بل بوابة محتملة لعودة النفوذ الإيراني إلى تخوم الجولان.

وفي وقت تلوّح فيه إسرائيل بخيار الحرب المفتوحة على الجبهات الشمالية، يبدو أن السويداء تحوّلت فجأة إلى ساحة اختبار مبكر لحدود الردع والتفاهمات… ولسؤال مفتوح: من يملأ فراغ الجنوب السوري؟ وهل تبقى السويداء منطقة عازلة أم مقدّمة لصدام جديد؟

اقرأ أيضا: السويداء تشتعل مجددًا: اشتباكات درزية-بدوية دامية تكشف هشاشة السلطة المركزية

السابق
رجي من بروكسل: استمرار الاحتلال يُشكّل عقبة رئيسية أمام تهدئة الأوضاع في جنوب لبنان
التالي
كارثة في الضاحية: حريق هائل يلتهم مجمع الإمام الخميني (فيديو)