يحلم الحزب باستعادة التوازن مع إسرائيل. لهذا ترك أولوية الصواريخ جانبًا، واندفع نحو تصنيع الطائرات المسيّرة، سلاح الفقراء في الحروب الجديدة غير المتكافئة.. لكن ما يقلق العدو ليس ما يملكه الحزب من مسيّرات، بل ما يكمن خلف هذا التوجه: استراتيجية توسيع الاشتباك من داخل الساحة اللبنانية. فكل تطوّر “تقني” لدى الحزب يقابله خراب في مؤسسات الدولة، وكأن الوطن كلفة جانبية لطموحه العسكري.
فقد كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت عن مصادر في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، أن حزب الله اللبناني غيّر أولوياته العسكرية، فبدلًا من ضخ التمويل في تطوير الصواريخ والقذائف كما كان معتادًا، وجّه جهوده نحو تطوير الطائرات المسيّرة، سواء لأغراض هجومية أو استطلاعية، خاصة تلك المحمّلة بالمتفجرات، وهي ذات تكاليف منخفضة، ومرتفعة التأثير في نفس الوقت.
هذا التحوّل يعكس رغبة الحزب في تبنّي نماذج قتالية أكثر مرونة وفعالية في مواجهة التفوق العسكري الإسرائيلي. هذه المقاربة تهدف إلى بناء هامش استقلال استراتيجي يتيح له الاستمرار في العمل العسكري حتى في حال تغيّر المعادلات الإقليمية أو تعرّض خطوط الإمداد الخارجية لضغوط.
ترسانة من الطائرات المسيرة!
الجنرال المتقاعد في الجيش اللبناني خليل الحلو صرح لجنوبية بالقول: “عند حزب الله عدة أنواع من الطائرات المسيرة منها المسيرات الاستطلاعية ومهمتها التصوير كتلك التي أرسلها الحزب لتصوير حيفا ومن ثم عادت، وهذا النوع غير معقد وميزتها أنها خفيفة ومن الصعب أن يكشفها الرادار في حال كانت تحلق على علو منخفض. وهناك المسيرات الانقضاضية ومهمتها إصابة الهدف دون العودة وهي تستخدم لمرة واحدة، وهذين النوعين يمكن وصفهما بكونهما مسيرات دقيقة. وهناك المسيرات المسلحة والتي استخدمها الحزب ضد إسرائيل في الحرب الأخيرة عدة مرات”.
يشير الحلو إلى أن هذه الأنواع هي فقط ما يعرف عن امتلاك الحزب لها، لكن لا يؤكد عدم امتلاك الحزب مسيرات من أنواع أخرى، لكنه يحدد أن هذه المسيرات الثلاث المذكورة مداها غير بعيد ويصل إلى مئات الكيلومترات فقط، على عكس المسيرات الإيرانية التي يصل مداها إلى ألفي كيلومتر مثل مسيرات شاهد 136. ويعتبر الحلو أن الحزب ليس بحاجة إلى مسيرات بمدى أكثر من مئات الكيلومترات على اعتبار أن لبنان وإسرائيل بلدين متجاورين، ويمكن للحزب إطلاق هذه المسيرات من الهرمل لو أراد.
الاستخدام والحيازة!
أما النقطة الأبرز التي أشار إليها الحلو فتكمن بأن المهم ليس امتلاك المسيرات بل القدرة والمعرفة على استخدامها أولًا، والقدرة على تصنيعها بكميات كبيرة ثانيًا، والحزب أثبت مقدرته على استعمال هذه المسيرات بنجاح، ويضرب مثالًا على المسيرة التي وصلت إلى منزل بنيامين نتنياهو.
وأوضحت يديعوت أحرونوت أن قائد سلاح الجو الإسرائيلي، اللواء تومر بار، عقد اجتماعات عملياتية متكررة لمتابعة هذا التحول الاستراتيجي، ولاتخاذ خطوات استباقية تهدف إلى إضعاف وحدة الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله ومنعها من استعادة نشاطها الكامل. يشار إلى أن الوحدة 127 وهي وحدة الطائرات المسيّرة التابعة لحزب الله، والتي تسعى إلى تحقيق اكتفاء ذاتي في تصنيع السلاح وتقليل الاعتماد على إيران، ما يعكس توجهًا استراتيجيًا جديدًا داخل الحزب، تومار بار.
الهجوم بالإغراق!
من هنا تحول الحزب إلى تبني تكتيك “أسراب المسيّرات” وكذلك “حرب العصابات التكنولوجية” كأسلوب للضغط والتشويش على الدفاعات الجوية وإرباك الخصم رغم تواضع الوسائل المستخدمة. يشرح الحلو التالي: “حين يقوم الحزب بضرب إسرائيل بالصواريخ والطائرات المسيرة في نفس الوقت، فالرادارات الإسرائيلية تستهدف الصواريخ مما يسمح للمسيرات بالوصول إلى أهدافها، وهذه طريقة احتيالية (الهجوم بالإغراق) على الرادارات لأن الصاروخ من الصعب أن يتم حجبه عن الرادار على عكس المسيرة”. وهذا ما يسبب الأذى لإسرائيل ويثير قلقها في ترسانة الحزب المتبقية. بعض الطائرات المسيرة بحاجة إلى مطارات وكانت إسرائيل قد كشفت مطارات للحزب في جزين والهرمل وقامت بقصف هذه المطارات، والنوع الآخر من الطائرات يتم إطلاقه من منصة، وهذا ما يجعل منها أكثر فعالية ومربكة على إسرائيل.
تصنيع محلي بقطع مدنية!
وعن إمكانية تصنيعها بواسطة قطع مدنية، يجيب الحلو بالإيجاب ويسميها “تكنولوجية مدنية” أي أن قطعها متوفرة في السوق المدني كالموتورات والكاميرات وأجهزة التحكم أو كالأجنحة المصنوعة من مواد بلاستيكية خام وهو ما يجعل من الصعوبة على الرادار كشفها، وبالتالي فإمكانية تصنيعها ليست معقدة وتتطلب بعض الآلات ثلاثية الأبعاد وهي متاحة في الأسواق، كما وأن تصنيعها لا يتطلب أمكنة كبيرة كالمصانع.
يؤكد الحلو أن قدرات الحزب انخفضت كثيرًا عن ما قبل وليس هناك أجوبة عن القدرات الحالية للحزب بشكل جازم ومحدد. ويعتبر الحلو أن الإسرائيليين يراقبون على الدوام المواد الأولية وقطع الغيار وغيرها من العناصر من أجل تقدير قوة حزب الله المتبقية.
منظومات الدفاع الجوي: حدود ونقاط ضعف!
ورغم امتلاك إسرائيل تقنيات متطورة لاعتراض المسيّرات، من ضمنها نظام دفاع يعمل بالليزر والذي نجح إسقاط قرابة 40 طائرة تابعة لحزب الله، إلا أن الجيش الإسرائيلي لم يواجه بعد سيناريو هجوم شامل يجمع بين أسراب من الطائرات المسيّرة وإطلاق كثيف للصواريخ في آنٍ واحد، خصوصًا من الجبهة الجنوبية المتاخمة للبنان. ولهذا، لا تزال إسرائيل تفضّل خيار الضربات الاستباقية لمنع تطور هذا التهديد، وقد حدث بالفعل أن أنذرت إسرائيل بإخلاء مباني في ضاحية بيروت الجنوبية وتحديدًا في منطقة السان تيريز معتبرة أنها مصانع لتصنيع الطائرات المسيرة. حينها نفذ الجيش اللبناني مداهمات بغية التأكد من المزاعم الإسرائيلية دون نجاح في منع القصف الإسرائيلي لهذه الأماكن.
يشير الحلو إلى أن الطائرات المسيرة استطاعت خرق الدفاعات الجوية الإسرائيلية وشرح التالي: “القبة الحديدية منظومة دفاع ضد القذائف والصواريخ الصغيرة مثل الكاتيوشا، وإلى حد ما تستخدم ضد الصواريخ المتوسطة في بعض الظروف”، ويضيف أن القبة الحديدية تعتمد على الرادار، وهناك نقطة ضعفها، أنها في كل مرة بحاجة إلى إعادة تذخير بعد كل رمية، وهذا ما يتطلب وقتًا، وحزب الله بات يعلم نقاط الضعف هذه ويتحايل عليها عبر ضرب عدة صليات في أوقات متفرقة ومحددة. أما منظومة اللايزر فليست بحاجة إلى تذخير وتعتمد على الكهرباء وبأسعار بسيطة. ويعتبر الحلو أن الإسرائيلي استخدم الشعاع الحديدي بنجاح حسب ما صرحوا لكن لا يوجد معلومات دقيقة وموثوقة.
ويشير إلى أن الرادار المستخدم في كل من المنظومات الدفاعية المذكورة هو نفسه، ومهمة المسيرات تخطي الرادار بالدرجة الأولى، فجميع المنظومات (قبة حديدية، ليزر، باتريوت، مقلاع داوود) تعتمد على الرادار لرصد الهدف. لذلك فإن اختراق الرادار يعني إبطال فعالية الدفاع الجوي، وهو ما تسعى إليه المسيّرات من خلال التحليق المنخفض أو البطء أو الإرباك الإلكتروني.
إمكانية تغيير المعادلات الاستراتيجية!
يعتبر الحلو أن موازين القوى ليست لصالح حزب الله، وبأن الشعارات الكبيرة أثبتت فشلها، وجل ما في قدرة الحزب الضغط على إسرائيل لكن ليس بمقدوره تغيير معادلات استراتيجية، فلا مجال للمقارنة بين القوتين والدليل ما اختبرناه خلال الحرب الأخيرة وحتى اليوم.
وأشارت يديعوت أحرونوت أن هذه المسيّرات تُعتبر تحديًا حقيقيًا لمنظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، إذ أن رصدها بشكل فوري أمر معقد، خاصة أنها تُطلق من مناطق وعرة ومخفية كالأودية، وتتبع مسارات طيران غير متوقعة. في المقابل، تراقب إسرائيل هذا التحول عن كثب، وتُبدي قلقًا متزايدًا من احتمال استخدام حزب الله لهجمات مزدوجة، تجمع بين الطائرات المسيّرة والصواريخ في وقت واحد. ورغم أن هذا السيناريو لم يتحقق بعد، إلا أن الجيش الإسرائيلي يستبق حدوثه عبر تكثيف الضربات الوقائية الموجهة ضد البنية التحتية التي يُعتقد أنها تُستخدم لتطوير أو تخزين المسيّرات.
اقرأ أيضا: برّاك يُصعّد الضغط: نزع سلاح الحزب أو العودة إلى «بلاد الشام»!

