برّاك يُصعّد الضغط: نزع سلاح الحزب أو العودة إلى «بلاد الشام»!

بلاد الشام خريطة

في لحظة إقليمية مفصلية، حمل المبعوث الأميركي الخاص توم برّاك إلى لبنان رسائل شديدة اللهجة، مغلّفة بلغة دبلوماسية لا تخلو من التهديد، ومفتوحة على احتمالات جذرية. برّاك، الذي يتنقّل بين بيروت ودمشق وتل أبيب تحت عنوان “إعادة رسم التوازنات”، حذّر في حديث إلى صحيفة “ذا ناشونال” من أنّ لبنان بات على مشارف خطر وجودي، ما لم يُبادر إلى حلّ جذري لمسألة سلاح “حزب الله”.

وحين قال إن “لبنان إذا لم يتحرّك، فسيعود إلى بلاد الشام”، بدا أنه لا يتحدّث فقط عن التهديدات العسكرية أو الأزمات السياسية، بل عن إعادة تعريف الكيان وحدوده ودوره، في ظلّ تحولات متسارعة في سوريا وإسرائيل، وتطوّر نوعي في الموقف الأميركي من دمشق وطهران على السواء.

واشنطن تتقدّم بملف نزع السلاح

برّاك، الذي كشف عن وساطة أميركية سرية بين لبنان وإسرائيل، أعاد تظهير أولوية نزع سلاح “حزب الله” بوصفها بوابة عبور إلى أي تسوية داخلية وإقليمية. أشار بوضوح إلى أن أي خطوة بهذا الاتجاه يجب أن تنطلق من مجلس الوزراء اللبناني، وبتوافق مع الحزب نفسه، الذي يمثّل مكوّناً سياسياً أساسياً. غير أن هذه الدعوة، رغم صياغتها الناعمة، جاءت محمّلة برسائل ضغط مزدوجة: أولها، أن واشنطن لن تنتظر طويلاً؛ وثانيها، أن هناك مساراً بديلاً جاهزاً في حال الفشل، قد يُعيد خلط الأوراق على مستوى الكيان اللبناني.

في المقابل، رفض “حزب الله” على لسان محمود قماطي أي بحث في سلاحه خارج إطار تنفيذ وقف إطلاق النار مع إسرائيل، مكرّراً أنّ “سلاح المقاومة” لا يدخل في نطاق البحث الأمني الداخلي بل في الاستراتيجية الدفاعية التي تبقى على طاولة الحوار، كما كانت في عهد الرئيس ميشال عون.

سوريا تخرج من العزلة

أحد أبرز التحوّلات التي حملها خطاب برّاك هو تبدّل المقاربة الأميركية تجاه سوريا. رفع العقوبات في أيار الماضي، بحسب برّاك، لم يكن تنازلاً للنظام، بل محاولة “لمنح الشعب السوري نافذة أمل”، مع التأكيد على رفض الفيدرالية والتمسّك بسوريا موحّدة.

لكن ما يثير القلق في بيروت هو أنّ هذا التحوّل يُمهّد لتقارب تدريجي بين سوريا وإسرائيل، قد يُعيد فتح ملف الحدود واللاجئين والمياه والنفوذ، مع طرح لبنان كـ”كيس رمل” جغرافي وسياسي في هذا الترتيب الجديد. برّاك لمّح إلى أن الوحدة السورية تكتمل، وأن لبنان سيكون مضطراً إلى اللحاق بها ضمن منطق التوحيد لا الانفصال، وهي إشارة تنذر بإعادة النقاش في مفهوم السيادة اللبنانية.

الضغط الأوروبي: “حزب الله” تحت المجهر

وفي موازاة الضغوط السياسية، تتواصل الضغوط الأمنية والمالية على “حزب الله”. فقد عُقد الاجتماع الرابع عشر لمجموعة التنسيق لإنفاذ القانون (LECG) في بروكسل بمشاركة نحو 30 دولة، خُصّص بكامله لمكافحة أنشطة الحزب في الخارج. البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية وصف الحزب بأنه لا يزال يشكّل “تهديداً عالمياً”، رغم الضربات التي تلقاها. كما أشار إلى أزمة الحزب المالية ومساعيه لتوسيع أنشطة التمويل والتجهيز في نصف الكرة الغربي وأفريقيا.

هذا الحصار المالي يعكس اتجاهاً تصاعدياً نحو تجفيف موارد الحزب من دون تصعيد مباشر على الأرض، خصوصاً في ظلّ ما تعتبره واشنطن “فرصة نادرة” لإحداث تحول داخلي في الحزب نفسه، من تنظيم عسكري إلى حزب سياسي صرف.

الطيران الإسرائيلي يُعيد التوتر جنوباً

ميدانياً، عادت المسيّرات الإسرائيلية لتُذكّر بسخونة الجبهة الجنوبية. فقد استهدفت طائرة مسيّرة منزلاً في بلدة وطى الخيام، ما أدى إلى مقتل مواطن سوري. وأصدرت وزارة الصحة اللبنانية بياناً بهذا الشأن، وسط صمت رسمي حول دلالات الاستهداف وخلفياته.

بالتوازي، تعمل وزارة الخارجية اللبنانية على حشد الدعم الدولي لتجديد تفويض قوات “اليونيفيل”، وسط تساؤلات عن مستقبل هذه القوة في حال خروج الوضع الجنوبي عن السيطرة أو إعادة تشكيل مهمتها وفقاً لمعادلات جديدة.

ترامب ونتانياهو: الضوء الأخضر لضرب إيران؟

في الخلفية الإقليمية، لا تزال إيران حاضرة في كل المعادلات. صحيفة “وول ستريت جورنال” كشفت عن رسالة مباشرة وجّهها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مفادها: “إذا استأنفت إيران برنامجها النووي، سنضرب”. والأخطر أن ترامب، بحسب التقرير، لم يعارض هذا السيناريو، ما يعزّز فرضية أن المنطقة تتّجه إلى صيف شديد السخونة، يربط بين الملف النووي الإيراني، وموقع حزب الله، وحدود الجبهة اللبنانية – الإسرائيلية.

دمج لبنان بالنظام الاقليمي الجديد

في محصّلة المشهد، تبدو الولايات المتحدة وكأنها ترفع الغطاء تدريجياً عن “الستاتيكو” القائم في لبنان، مستبدلة إياه بطرح واضح: “نزع سلاح حزب الله مقابل إعادة إدماج لبنان في النظام الإقليمي الجديد”.

بين التهديد بالانهيار والوعود بالمساعدة، وبين الإغراء بدور لبناني في عملية التطبيع الموسّع، والضغط لتعديل موقع “حزب الله”، تبدو بيروت أمام خيارين: الانخراط في مسار التغيير بشروط صعبة، أو التهميش والانكشاف. وبرّاك قالها صراحة: “هذه فرصتكم لكتابة قصة جديدة… لا خطة بديلة لدينا”.

اقرا ايضا: برّاك يُسلّم الرد ويغادر إلى دمشق… وعينه على «حزب الله»

السابق
بالفيديو: حوار اللحظات الأخيرة قبل اغتيال محمد شعيب في النميرية
التالي
العلامة السيد علي الأمين: الشيعة والدولة.. أزمة السلطة لا الطائفة