جولة بلا نهاية: إيران وإسرائيل على حافة الهاوية

قصف تل ابيب ارشيف

كانت أشبه بأفلام السينما…

بدا الصراع الأخير بين إيران وإسرائيل كأنه مشهد من فيلم سياسي مشوق، حيث تصاعدت التوترات بسرعة، لتصل إلى ضربة افتتاحية نفذها الموساد الإسرائيلي باحترافية عالية. هذه البداية فجّرت سلسلة من الأحداث العسكرية والسياسية المعقدة التي استدعت تدخل قوى إقليمية ودولية، أبرزها الولايات المتحدة.

تدخل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في لحظة حرجة. كان عليه التوفيق بين مؤيديه الإنجيليين الذين دعموا إسرائيل تاريخيًا، وبين تيارات أخرى في الداخل الأمريكي تعارض التورط في حروب تخدم مصالح خارجية. وبمهارته المعتادة في التعامل مع الأزمات، بدا أن ترامب استطاع تجاوز هذه التناقضات، على الرغم من الضغط الإعلامي والسياسي الذي واجهه.

ضربات محسوبة وتوازنات دقيقة

لم تكن المواجهة بين إيران وإسرائيل حربًا شاملة بقدر ما كانت تبادلًا للضربات المحسوبة. اتسمت العمليات العسكرية من الطرفين بالتخطيط المسبق، وكأن هناك قواعد غير معلنة تحكم شكل الصراع. إيران بدورها ردّت بشكل بدا استعراضيًا، لتؤكد حضورها وقوتها دون الانجرار إلى مواجهة واسعة.

وبينما أعلن ترامب أن بلاده حققت أهدافها، أشارت تقارير استخباراتية إلى أن الضرر الذي لحق بالبرنامج النووي الإيراني كان محدودًا. الإعلام المعارض استغل الفرصة لتقويض صورة ترامب، لكن نتائج السياسة الدولية، خصوصًا خلال قمة الناتو، أظهرت أن الرئيس الأمريكي حافظ على قدر من التأثير والمكانة.

كان لروسيا أيضًا حضور مهم، وإن لم يكن صاخبًا. ففي وقت حرج، زار وزير الخارجية الإيراني موسكو، والتقى بالرئيس فلاديمير بوتين. من هناك، أعلنت طهران استعدادها للتهدئة شريطة توقف إسرائيل عن الضربات خلال أربع ساعات. ورغم التردد، توقفت إسرائيل عن التصعيد، ويُعتقد أن ذلك تم نتيجة ضغوط سياسية عالية المستوى.

البرنامج النووي… بين الضربات والاستمرارية

في طهران، أُقيم احتفال رسمي أُعلن فيه “النصر” السياسي والعسكري على كل من إسرائيل والولايات المتحدة في آنٍ معًا، حيث قال المرشد الأعلى آية الله خامنئي إن إيران صمدت أمام هجوم مزدوج، وأفشلت الأهداف الإسرائيلية، مؤكدًا أن استمرار الصراع كان ليؤدي إلى دمار تل أبيب.

في المقابل، ظلّ الموقف الإسرائيلي غامضًا. رغم العملية العسكرية التي استهدفت منشآت نووية وشخصيات علمية، لم تعلن إسرائيل نصرًا واضحًا. والنتائج الملموسة لتلك الضربات لا تزال قيد التقييم، خاصة مع رفض إيران التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد الهجوم.

البرنامج النووي الإيراني، رغم الأضرار التي لحقت به خلال الهجمات الإسرائيلية، لم يُقضَ عليه بالكامل. بعض المنشآت تعرّضت للقصف، وتم تصفية عدد من العلماء البارزين، لكن لم يكن هناك ما يشير إلى انهيار كامل للبنية التحتية النووية. على العكس، ما زالت بعض الصواريخ الإيرانية تصل إلى الأراضي الإسرائيلية، في مؤشر على أن قدرات الردع الإيرانية لا تزال قائمة.

المسألة لا تتعلق فقط بالمواقع والمنشآت، بل بالأشخاص والعقول. فكل عالم يتم استهدافه داخل إيران غالبًا ما يكون له طلاب ومساعدون يعملون ضمن منظومة تعليمية وعلمية مستمرة. وبما أن إيران تمتلك شبكة مؤسسات بحثية محلية قوية، فإن احتمال إعادة تشغيل أي مشروع متوقف يظل واردًا بقوة.

لكن هذا يفتح باب التساؤلات الكبرى:

هل تم بالفعل القضاء على قدرة إيران على امتلاك سلاح نووي؟

وإذا لم يكن المشروع قد دُمّر بالكامل، هل يُسمح لإيران بتطوير رأس نووي عسكري؟

وإذا تم تعطيل البرنامج محليًا، هل من الممكن أن تكون طهران قد نقلت تقنياتها أو بعض مكونات برنامجها إلى دول حليفة مثل كوريا الشمالية أو حتى روسيا؟

وفي هذا السياق، هناك افتراضات واقعية تُطرح في أوساط التحليل الاستراتيجي:

السيناريو الأول: امتلاك إيران لتخصيب عالٍ بالفعل

إيران، وفقًا لتقارير سابقة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وصلت في بعض الفترات إلى مستويات تخصيب تفوق 60%. وبينما تصر طهران على أن برنامجها لأغراض سلمية، فإن هذه النسبة تقترب بشكل خطير من عتبة التخصيب المطلوبة لإنتاج سلاح نووي (حوالي 90%). إذا كانت هذه الكميات قد أُنتجت بالفعل، فمن غير المؤكد ما إذا كانت لا تزال موجودة داخل الأراضي الإيرانية أو قد تم تخزينها في أماكن سرية.

السيناريو الثاني: نقل المعرفة أو التكنولوجيا

من الممكن – وإن كان صعب التحقق – أن إيران، تحسبًا لهجوم شامل، تكون قد قامت مسبقًا بنقل جزء من تقنياتها أو مخزوناتها إلى دول صديقة خارج الرقابة الغربية. كوريا الشمالية، التي تربطها علاقات فنية وعسكرية سابقة مع طهران، تُعد مرشحًا محتملاً لمثل هذا التعاون. روسيا أيضًا، رغم علاقتها المعقدة بالملف النووي الإيراني، قد تكون طرفًا حافظت إيران معه على قنوات اتصال غير رسمية بشأن التكنولوجيا المتقدمة.

السيناريو الثالث: البنية لا تزال قائمة وقابلة للاستعادة

حتى في حال تدمير بعض المنشآت، فإن الشبكة العلمية والمهنية داخل إيران لم تُدمّر بالكامل. وهذا يعني أن مشروع السلاح النووي، إن وُجدت نوايا لتفعيله، يمكن أن يُعاد بناؤه خلال أشهر أو سنوات قليلة.

بناءً على ذلك، فإن الهجوم الأخير ربما أبطأ المشروع، لكنه لم يقضِ عليه جذريًا. كما أن الغموض السياسي والإعلامي الذي يُحيط بالبرنامج الإيراني، يجعل من الصعب تحديد حجم التقدم الحقيقي أو مدى الاقتراب من العتبة النووية العسكرية.

يبقى السؤال: هل سيُسمح لإيران مستقبلاً بامتلاك قنبلة نووية؟ أم أن المنطقة ستشهد جولة جديدة من المواجهات والضغوط لمنع هذا الاحتمال؟

الإجابة مرهونة بالتطورات المقبلة، وبمدى قدرة طهران على تجاوز العزلة وإعادة ترتيب أوراقها النووية في ظل المعادلة الدولية الراهنة.

إذن، ما زالت النهاية بعيدة. فكل طرف يروّج لروايته الخاصة عن “الانتصار”، بينما الواقع أكثر تعقيدًا وتشابكًا. لا إيران خرجت مكسورة، ولا إسرائيل حققت نصرًا حاسمًا، ولا الولايات المتحدة استطاعت فرض معادلتها بالكامل.

في هذا المشهد المفتوح، يبدو أن الجولة قد انتهت، لكن المعركة الأكبر لم تُحسم بعد. تقول إحدى القنوات الإيرانية: “الاعتقاد بأن الحرب انتهت محض هراء… معركتنا معكم ستستمر حتى نهاية العالم”.

اقرا ايضا: لبنان أمام مفترق السابع من تموز: واشنطن تضغط بالسلاح والاقتصاد… وبري يُشعل الجلسة التشريعية

السابق
«رفيق ظل» قاسم سليماني من ضحايا الغارات الاسرائيلية على إيران
التالي
كتاب «الشيعة والحرب» لمحمد بركات..حول الهزيمة غير المعلنة لشيعة لبنان في «حربِ إِسنادِ غزّة»