ألذّاتُ الفلسطينيّة ، فقدت قوَّتها المعنويّة ، باحتلال أرضها ، في العام 1948 . لذا ، ومنذ ذلك التّاريخ ، كانت الذّاَتُ الفلسطينيّة بحاجةٍ ماسّة إلى استعادةٍ لا بدّ منها ، من أجل تحرير أرضها ، أرضها التي في معناها ، بالذّات ، تكمن استعادة الذّات الفلسطينية ، ( ذلك لأنّ أرض الفلسطينيّ ما هي إلاّ ذاتُه عَينُها ، أي ما هي إلاّ عَينُ حقيقتهِ الوجوديّة ، على ما يؤكّد كتابٌ ، نحن بصدد الإضاءة على مضمونه هنا ) .
محورية الكتاب
فاستعادة الذّات الفلسطينية ألمعنويّة ألفاعلة في إعادة بناء حياةٍ فلسطينية نضاليّة مُثمِرة ، في سبيل تقرير مستقبل ومصير الإنسان الفلسطيني ، هي استعادةٌ تُشكِّل مقتضاياتُها محوريّةَ الكتاب الذي يحمل عنوان : ” في معنى الأرض / إستعادةُ الذّات الفلسطينية ” . وهذا الكتاب ( الصادر ، حديثاً ، عن ” المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ” في ” قطر ” وفي ” بيروت ” في طبعة أولى 2021 ) ، هو كتابٌ من تأليف الباحث والكاتب الفلسطيني الدكتور بلال عوض سلامة ، وهو الذي يرى ، في كتابه هذا ، أنّ لا سببيل ، مطلقاً ، إلى تحرير فلسطين ، إلاّ باستعادة الذّات الفلسطينية ، من خلال استلهام الفلسطينيّين ، معنى أرضهم ، ذلك أنّه – وعلى ما يُقرِّر سلامة – ليس إلاّ في معنى الأرض الفلسطينية ، تكمن استعادة الذّات الفلسطينية .
أهميّة الأرض للفلسطيني
وإنّ كتاب : ” في معنى الأرض : استعادة الذّات الفلسطينية ” ، هو كتابٌ : ” يهتمّ بمسألة الأرض وأهمّيتها للفلسطينيّ ، باعتبارها القاعدة الإنتاجيّة التي فقدها بالتّطهير العِرقي في عام 1948 ، والقيمة المعنويّة والرّمزيّة والثّقافية لكرامته ، وكيف أنّ الفلسطينيّ بفقدانه شروط إنتاجه ، فقدَ القدرة على إعادة إنتاج ذاته ومصيره ومستقبله ، فاستعاض عن الأرض بالمنظومة القيميّة والثقافيّة والرّمزيّة والإجتماعية التي ساعدته في مراحل عدّة في الصمود والنّضال .
ألتّساؤلات الرّئيسيّة للقضيّة الفلسطينيّة اليوم هي نفسها بالرّغم من مرور أكثر من قرنٍ على الصِّراع العربي الفلسطيني – الصهيوني
إنّ اكتشاف الفلسطينيِّ ذاتَه كذاتٍ فاعلة ومناضلة ، وابتعاده عن الأرض في الخطاب والممارسة ، جعلا من السّبات الاستعماري والموت الإجتماعي السمة العامة للهندسة الإجتماعية التي مكّنت الاستعمار الصهيوني من صياغته وإنتاج وعيه في المحتشدات الفلسطينية بصورةٍ متشظية، فتأثّرت هوّيته وذاكرته وثقافته الموقعية بسياسات العزل والاجتثاث .
إقرأ ايضاً: «مصير» سلامة و«المركزي» يُربكان الحكومة..و«حزب الله» يُضخّم اعلامياً “عراضته» العسكرية!
أمّا الحلّ الوحيد لإستعادة الذّات الفلسطينية بحقّ ، فيكمن في الرجوع إلى الأرض وثقافتها الفلاّحيّة التي تشكّل المنعة والصلابة الوطنية والمجتمعية في السّياق الاستعماري ؛ فالأرض هي إنتاج الغذاء والحياة والكرامة التي يقاوم الفلسطيني لاستعادتها ، وارتباط الحياة والثّقافة بها مكوِّنٌ مهمّ في استعادة الذّات الفلسطينية ، والعودة إليها وإلى ثقافتها ومنظومة قِيمها الإنسانية هي الكفيلة برفدنا في الصمود لتحقيق السّيادة عليها ؛ فالأرض لاشيء ، وإنّما كلّ شيء .
تساؤلاتٌ دَهرِيّة !!!
ومحتويات هذا الكتاب تتصدّرها مقدّمة ، ومما يقوله الكاتب في المقدّمة : ” قليلة هي الدراسات ، إن لم أقل من النادر أن يكتب الباحث مقدمة بحثه ، قبل بدء الحفر المعرفيّ واستكشاف الأطروحات والزّوايا المعرفية المتعلقة بتساؤله البحثي الرئيسي ، وهذه حال هذه الأطروحة البحثية ، لأنّ القضيّة التي تشغل البال والوجود الفلسطيني في أيّامنا هذه هي نفسها التساؤلات الرئيسية منذ أكثر من قرنٍ على الصراع العربي الفلسطيني – الصهيوني ، التي طُرحت ولا تزال تُطرح ؛ والمتعلقة بالوجود الفلسطيني على هذه الأرض ، في خضمّ كفاحه الطويل ضدّ الاستعمار بأنواعه كافّة ، والأنظمة السياسية والإقتصادية التي فرضت نفسها على المشهد الفلسطيني ، أرضاً وشعباً ، كماضٍ وحاضر ومصير .
شكّلت الأرض – ما فيها وما عليها – محور الصّراع العربي الفلسطيني – الصهيوني
” شكّلت الأرض – ما فيها وما عليها – محور الصراع العربي الفلسطيني – الصهيوني ، فعملت على بلورة وعي الفلسطيني وهويّته وكينونته وذاكرته بامتياز ، فتمحورت هويّته حول العمل فيها والإنتماء إليها ، بصفتها وسيلة إنتاجه الماديّ الرئيسية ، التي يُنتج بها ، وتُعيد إنتاجَه وشكل وجوده المعنوي والرمزي والقِيمي . لهذا لم يكن مستَغرَباً أن تُستهدَفَ الأرض منذ بداية الاستعمار الصهيوني ، كاستراتيجيةٍ لِمَحوِ الوجود الفلسطيني والتّخلّص منه .
آليات عَزلِ الفلسطيني عن أرضه
” لم تكن المخطّطات والسياسات الصهيونية للاستيلاء على الأرض بمعزل عن السيطرة على الفلسطيني . فهدفُ التّهجير والاستيلاء والأوامر العسكرية المتعلقة بالأرض ، والتجزئة الاستعمارية للتجمّعات الفلسطينية في فلسطين المستَعمَرَة ، والعزل والتسييج والتركيز المكاني والاجتثاث من القرى والمدن ، إنّما كانت ممارساتٍ لعزل علاقة الفلسطيني بأرضه وفصلها وتفكيكها ، بعيداً من بنيته التحتيّة التي تضمن نشوء هويّته القوميّة وثقافته الوطنية وتبلورهما . وعليه ، مورست ضدّه هندسةٌ سياسية واجتماعية استخدمت الرّقابة والضبط من خلال وسائل العنف ، المباشر فيها أو الناعم ، لتضمن خضوع الفلسطيني وتأبيد انصياعه لمنظومة القهر والاستلاب والاستعمار . ” .
موضوعة الكتاب ومعالجةُ خطورةٍ وبَعثُ أمَلٍ
ويضيف الكاتب في المقدمة قوله حول ” موضوعة هذا الكتاب ” : ” عُولِجَت موضوعة الأرض الفلسطينية وفقدانها من حيث الأساليب والأدوات والقوانين والممارسات العسكرية والقانونية التي استهدفت الأرض الفلسطينية ، بدءاً من الإصلاحات العثمانية المتعلقة بقوانين الأرض ، إلى الاستعمار الإسرائيلي ، وتضاعف الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وبناء المستعمرات منذ التطهير العرقي والمحو الثقافي في عام 1948 ، مروراً بتبلور ، منظومة أوسلو … إلى الآن ، والإعلان عن استلاب ما تبقّى من الأرض الفلسطينية في المنطقة ” ج ” ، وفرض السيادة عليها بحكم القوّة بحسب تقسيمات منظومة أوسلو ، والتي تعادل نحو60 في المئة من الضفّة .
يعالِجُ هذا الكتاب موضوعه ضِمن منظورٍ معرفيّ ووطنيّ ونقديّ شامل
لكن – ( وعلى حدّ توضيح الكاتب هنا ) – قلّما عُولِجت قضيّة الأرض بوصفها قيمةً معنويّة ومادّيّة للفلسطينيّ التي تُحقِّق الكرامة له وتَضمَنُها ، وهي تُعَدُّ من أهمّ متطلّبات الفعل على الأرض لاستعادتها من جديد والسيادة عليها .
” لهذا ، فإنّ هذا الكتاب يُعالِج خطورة سلب الفلسطيني أرضه وفقدانها ، كوسيلة إنتاجه على قدرته أو عدم قدرته بالتّحكّم في مصيره ومستقبله ، من خلال التركيز على الوسائل والتقنيّات التي استُخدِمت في السيطرة على الفلسطينيّ من خلال سيطرتها على الأرض الفلسطينية ، وإنتاجه ضمن منظومة إقتتصادية وسياسيّة ثقافيّة لا يتحكّم بها . ويحاول هذا الكتاب أيضاً بَعثَ الأمل في إمكانيّة استعادة الذّات الفلسطينية بالعودة إلى الأرض وثقافتها ، ضمن منظورٍ معرفيّ ووطنيّ ونقديّ شامل . ” .
كيفية معالجة فِكرة الكتاب
إنّ على صفحات متن هذا الكتاب المتمثل بخمسة فصول أساسية تُعالَجُ فكرته الرئيسية ، على النحو التالي : يتناول الفصل الأول ، معنى الأرض وقيمتها للمستعمِر ، ويستكمل الثاني البحث في المنظور نفسه وفي تخصّصٍ أكثر في السياق الفلسطيني ، تعت عنوان ” الأرض الفلسطينية : كقيمة ووجود ” ، في حين يعالج الثالث ممارسات السيطرة على الأرض والإنسان الفلسطيني . ويناقش الفصل الرابع قضية مهمة وأساسية تحت عنوان ” نحو استعادة الذات الفلسطينية بالعودة إلى ثقافة الأرض ” . ويُختتم الكتاب بالفصل الخامس الذي يضمّ الخيارات التنموية بوصفها جزءاً من معركة التّحرّر ، تحت عنوان ” ألذّات الفاعلة والتنمية بالكرامة “.


