حدثني وبصراحة متناهية هذه المرة وبلا قفازات ولا تردد، صديقي الجنوبي المقيم بعد أن سألته أنا القادم من بلاد الإغتراب عن رأيه بما ستؤول إليه الأوضاع في لبنان، خاصة بعد الخطاب الأخير لأمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ،الذي تحدث فيه عن كاريش وما بعد بعد كاريش ..
فقال .. في البدء كان الحديث يا صاحبي على لسان السيد عن ضرب منشآت الأمونيوم في مرفأ حيفا، تحمس البعض منا وتعالت صيحات الإستحسان، وإرتسمت على الوجوه إبتسامات الغرور والثقة المبالغة بالنفس، فكانت النتيجة إنفجار نيترات الأمونيوم المُخزَّن بعلم كل مسؤولي الجمهورية في مرفأ بيروت، وقيدت القضية عملياً “ضد مجهول” – حتى الآن على الأقل – وأغلب الظن أن الوضع سيبقى على ما هو عليه إلى ما بعد بعد نهاية التحقيقات .
ثم كان الحديث عن ما بعد بعد حيفا، مرة أخرى تحمس البعض منا وتعالت صيحات الإستحسان ، مصحوبة هذه المرة بالتكبير والتهليل والشكر لله وللأمين على الدماء، على هذا النصر المعنوي الكبير، فكانت النتيجة أن وصلت طائرات العدو وصواريخه وأذرعه المخربة إلى ما بعد بعد دمشق وحمص واللاذقية وطرطوس، وصولاً إلى طهران وغيرها من مدن الجمهورية الإسلامية حيث يتساقط خبراء وضباط الحرس الثوري واحداً تلو الآخر، وإندلعت الحرائق ودوَّت الإنفجارات المجهولة – المعلومة المصدر. اليوم بدأ الحديث عن ما بعد بعد كاريش، في ظل أزمة دولية وصراع غربي – روسي يمس عصب رئيسي في الحياة الأوروبية الحديثة، وهو الغاز بشكل يبدو وكأن لبنان إتخذ جانب في هذا الصراع بالنيابة عن محور الممانعة، متصدراً المشهد بمواجهة زيارة الرئيس الأميركي وتحركاته في المنطقة، ولو إعلامياً – حتى إشعار آخر – وهذا ما يضع لبنان مرة أخرى في ” بوز المدفع ” الإقليمي.
المهم هذه المرة لم نرَ أو نسمع صيحات الإستحسان، أو لنقل لم تكن مسموعة كالسابق إلا في الحدود الدنيا، ربما لأن الناس مشغولة باللف والدوران حول نفسها تتلمس طريقها إلى مصرف ما حيث أودعت قرشها الأبيض الذي سرقوه في عتمة يومها الأسود، أو تفتش على فرن لا يحتكر الطحين ليحوله إلى ” كاتوه ” للميسورين بحثاً عن رغيف الخبز الذي يطلق عليه وبحق إخواننا في مصر وصف “رغيف العيش” ، أو تجول وتدور باحثة عن صيدلية تجد فيها مُسكِّن لأوجاعها، بدل الدواء الشافي الذي بات مفقوداً أو محتكراً من ديناصورات الفساد المحميين من ديناصورات السياسة، وإن وُجِد فهو بحاجة لقرض حسن هو الآخر مفقود إلا للمحظيين، أو هي تتنقل بين المكاتب الحكومية والسماسرة لتجد ورق وطابع لتحصل على إخراج قيد أو باسبور، قبل أن تحجز لها مكاناً في طابور ما أمام إحدى سفارات “الإستكبار” ، أو هي واقفة في طابور على إحدى المحطات طلباً لتنكة بنزين يمكن أن توصلها إلى عملها أو أخرى من المازوت تقضي بها حاجة من إنارة وخلافه، أو ربما تسعى في طلب قارورة غاز في وقت يتحدثون فيه عن نفط وغاز كاريش وقانا وما بعدهما.
يأتي هذا كله في الوقت الذي لم يترك لنا “الثنائي” صاحباً لا في لبنان ولا في العالم العربي، ففي العام 2006 إستقبلنا الناس في كل لبنان أو لنقل في الغالب منه بإحتضان وكذلك الشعب السوري ، فكان الرد ب 7 أيار 2008 في بيروت والجبل – بغض النظر عن الأسباب التي سيقت وتساق دائما للتبرير – وكذلك في المساهمة بقمع وتهجير غالبية الشعب السوري، دون أن ننسى كيف كان الرد على إنتفاضة تشرين 2019 تارة بالقمع وتارة بالشعار الشهير والأبشع شيعة شيعة شيعة، وكل ذلك بإسم حماية المقاومة وظهرها وكأن المقاومة باتت هي الهدف وليس الوطن والناس، نقول هذا بكل أسى وألم لما لحق بسمعة المقاومة ومعانيها السامية من ضرر، ونقول بكل محبة للمستكبرين على الناس والوطن بأن لا كبير في لبنان ولنا في الأسماء الكبيرة التي مرت على لبنان في سني الحرب من دون ذكرها منعاً للحساسيات عبرة بأن “ما في شجرة بتوصل لربها”.
الطريق إلى كاريش وما بعدها يا سيد باتت تمر بالمصرف أولاً، ومن بعده بالمحطة والفرن والصيدلية، والرحلة بحاجة إلى مال ووقود وخبز
يبدو يا صديقي أن الوقت قد حان لنُصدِق السيد القول، عملاً بالقول المأثور بأن “صديقك من صدَقك لا من صدَّقك”، ونقول له بأمانة، بأن الطريق إلى كاريش قبل ما بعد بعدها التي تدعونا إليها، هي طريق طويل يا سيد دونها إمكانياتنا التي سرقها منا الفاسدون وحيتان المال والمصارف، ودونها صحتنا التي سرقها منا تجار الأدوية ومحتكريها، ودونها أعصابنا التي أتلفت جراء الوقوف في طوابير طويلة، فالطريق إلى كاريش وما بعدها يا سيد باتت تمر بالمصرف أولاً، ومن بعده بالمحطة والفرن والصيدلية، والرحلة بحاجة إلى مال ووقود وخبز ودواء حتى لا نموت في منتصفها يا سيد، للوصول إلى كاريش وما بعد بعد كاريش علينا التخلص من مغارة علي بابا، التي باتت تضم مئات اللصوص من كل الفئات والأحزاب والطوائف، والذين لا يخفى أمرهم عليك ولا على غيرك من حكام هذه البلاد، ومنهم من يهلل لكم وأنت تؤمِّنون له الحماية والدعم بإسم الدفاع عن المقاومة، تارة والطائفة تارة أخرى في منطق غريب، فمنذ متى كان الفاسدون حماة المقاومة والداعمين لها، لا يمكننا الذهاب إلى كاريش يا سيد وظهرنا مكشوف لمن أسأنا لهم بتصرفاتنا قبل أن نرمم علاقاتنا الداخلية معهم ولو بالحد الأدنى أولاً.
عندما نقضي على الفساد بغالبيته لأننا نعرف أن إستئصاله بالكامل غير ممكن، يومها سنرى أننا لسنا بحاجة للذهاب إلى حروب أخرى
وقبل أن نحمي ظهورنا ثانياً من الفاسدين الديناصورات السفلة وهم الأخطر، مصاصي دمائنا وسارقي عرقنا ومصادري مستقبل أولادنا عبر فسادهم الذي أهلك الحرث والنسل، الحرب المطلوبة يا سيد التي سنخوضها معك أو مع غيرك إذا ما حصلت بل سنكون أمامكم فيها هي الحرب على الفساد الذي أوصل البلاد والعباد إلى “جهنم”، وهي حرب أقل كلفة من حرب كاريش وما بعد بعد كاريش، فالفساد هو أم الرذائل والفاسد كالعدو وكالعميل بل هو أخطر ، وعندما نقضي على الفساد بغالبيته لأننا نعرف أن إستئصاله بالكامل غير ممكن، يومها سنرى أننا لسنا بحاجة للذهاب إلى حروب أخرى، لأننا سنصبح أقوياء بما لدينا من خيرات وإمكانيات وأولها الإنسان اللبناني، الذي أفنى جُل عمره وهو يحفر بالصخر سواء في الداخل أو في المغتربات حتى يبني له ولأولاده مستقبل زاهر ومستقر عبر العمل والتعليم، والآخر الذي قاوم الإحتلال وعاش المقاومة في الجنوب منذ العام 1948 صامداً يحمل المعول بيد والبندقية في اليد الأخرى، عندما كان الوطن وحمايته هو الهدف وفلسطين هي القضية، وهو مستعد الآن ليضحي بالباقي من عمره، للوصول إلى ما بعد بعد الإستقرار من تقدم وحرية وسؤدد ، لأن العالم يحترم الأقوياء الكرام الذي لا يستجدون أو يتسولون لقمة عيشهم، ويقف على خاطرهم، فالقوة ليست محصورة بسلاح واحد هو المدفع أو الصاروخ على أهميتهما.
فالسلاح أيضاً هو الإقتصاد والصحة والتعليم والصدق في الوطنية وإعلاء مصلحتها على ما عداها.
حديث الشعارات والحماس الثوري قد تخدع به بعض الناس بعض الوقت، لكن الحقيقة ومنطق الأمور والواقع هو الذي يعيشه كل الناس كل الوقت
إنتبه صديقي المتحدث المنطلق على سجيته بأني لم أقاطعه ولم أعلق على حديثه، فبادرني قائلاً ما بك وكأن ” سهم الله ” قد أصابك، قلت يا صديقي ما أصابني هو سهم المفاجأة، فهذا كلام جديد أسمعه منك اليوم لأول مرة ، فلطالما كنت في السابق تحاول قدر الإمكان والموضوعية أن تمسك العصا من الوسط، قال صحيح ربما لأنه كان لا يزال بعض من أمل بتغير الأحوال والعودة إلى جادة الصواب، ولكن للأسف بعد ما جرى ويجري خاصة بعد الإنتخابات ومرشحيها ونتائجها والممارسات التي ما تغيرت، وجب إستعادة الوعي والقناعة بأن الوصول إلى الهدف لا يمر فقط بطريق ومسار واحد، وأن الحقيقة والمنطق يجب أن يسودا في زمن الأزمات والمعاناة، فحديث الشعارات والحماس الثوري قد تخدع به بعض الناس بعض الوقت، لكن الحقيقة ومنطق الأمور والواقع هو الذي يعيشه كل الناس كل الوقت، قلت له ولكن هذا الحديث قد يعتبره البعض من الشباب المتحمس إنهزامية وإحباط و “تكسير مقاديف “، وبالأخص في بيئتنا وفي زمن “غسيل الأدمغة ” للكبار والصغار، قال فليكن وأنا لا أتحدث بإسم أحد ولست في موقع إعطاء الإرشادات والنصائح، ولست حتى بناشط ولا مطالب شخصية لي ولا هدف إلا كوني مجرد مواطن عادي يريد ممارسة حياته الطبيعية في بلد طبيعي، ومن لديه رأي آخر فليقله ويعلنه ولكن من دون تخوين أو تكفير أو إخراج من الملة والدين، في النهاية هذا حديث وتفكير بصوت عالٍ وللأسف لن يقدم أو يؤخر، فالقرارات تتخذ بعيداً عنا وعن آرائنا وهي في مكان آخر بعيد عنا ، فليسمحوا لنا أن نتنفس “حرية” على الأقل كما تغني جوليا، في هذه الظروف حتى لا نموت إختناقاً ما دام لم يعد لنا خيار، سوى في طريقة الموت حرباً أو جوعاً أو خلافاً على شطف درج ربما، أو سرقة “موتوسيكل”، قلت له هل تسمح لي يا صديقي أن أنشر هذا الحديث، علَّ الرسالة تصل بأن هناك على الأقل أناس في هذه البيئة لهم رأي مغاير غير رأي المطبلين والمزمرين، أناس همهم المستقبل لا الماضي، والكرامة الحقيقية لديهم تتجلى في عدم الحاجة إلى كرتونة إعاشة من هنا أو هناك، وعزة النفس تعني لهم حرية الخيار والعمل والتفكير، وليس الوقوف في طوابير يندى لها الجبين من الخجل والإنكسار، فلا كرامة ولا عزة بدون حرية لا حدود لها سوى مصلحة الجماعة وحرية الآخرين.
إبتسم صديقي إبتسامة رضى ولم يعلق ،وكأنه يقول لي .. لك ذلك .. أنشرها .. وها أنا أنشرها بأمانة.

