عند كل استحقاق أساسي في لبنان، تتركّز الأنظارُ على غياب أو حضور رئيس مجلس النواب نبيه بري وعلى طبيعة دوره ومستواه. في الحال الراهنة التي بَلَغَها لبنان على وهج مآزقه الكبرى، يشكّل الغيابُ المباشر لمَن تعوّد لعب دور «الإطفأجي» عن المعالجات أحد مَظاهر الأزمة الحادة في العلاقات الداخلية، وخصوصاً في ملف تشكيل الحكومة.
ورغم انكفائه فإن ظلّ بري يبقى حاضراً. وليس أفضل من توصيفٍ لدوره سوى إعلان حزب رئيس الجمهورية العماد ميشال عون (التيار الوطني الحر) أكثر من مرة أن معركته السياسية قائمة في وجه حليف حليفه، أي في وجه رئيس البرلمان، شريك «حزب الله» في الثنائية الشيعية.
وليست المرة الأولى يقف حزبا عون وبري وجهاً لوجه. ففي 2009 خاض التيار الوطني معركته في الجنوب على قاعدة إسقاط مرشحي حركة «أمل» التي يتزعمها رئيس البرلمان، واستعادة المقاعد المسيحية منه، و«تحرير» جزين تحديداً من المحسوبين عليه. واليوم يتكرر سيناريو المواجهة وإن على نحو أشمل. فـ «الإستاذ» يشكل رافعة المعارضين لعهد الجنرال، من دون أن ينادي باستقالته كما فعل «تيار المستقبل»، بزعامة الرئيس سعد الحريري.
رئيس البرلمان سلّم بتسوية انتخاب عون ولم يهضمها و«الودّ المفقود» بينهما تحوّل… ملغوماً
نادراً ما كان بري يغيب عن التسويات وفذلكاتها كـ «إبداع لبناني»، ونادراً ما تَعَطَّلَ دوره في إخراج الأرانب من قبَعاته الكثيرة. فهو رئيس مجلس النواب منذ العام 1992، وواحد من قادة الحرب المديدة ومؤتمرات السلام العديدة، وطرفٌ أساسي في الحياة السياسية، في صعودها وهبوطها، وعراب «الاتفاق الثلاثي» برعاية دمشق، ومُشارِكٌ من بعيد في اتفاق الطائف، وأحد أعمدة «الترويكا» التي حكمت لبنان في ظل الوصاية السورية. يكتب كلماته كما في مناسبات ذكرى التحرير وتغييب الإمام موسى الصدر (تم إحياؤها أمس الثلثاء) بلغةٍ شاعرية، لكنها تحمل في كل مرة مضامين سياسية بارزة يوجّه من خلالها رسائل ذات مغزى إلى الأقربين والأبعدين.
لطالما كان بري رجل التسويات، في حقبة الوجود السوري وبعده. ما خلا التسوية حول رئاسة الجمهورية التي صيغت بين عون والحريري. والبعض يشبّه موقفه المُعارِض بحدّة لها، بمعارضته للرئيس أمين الجميل في 6 فبراير 1984. لكن الظروف الحالية مختلفة، الأمر الذي منعه من تنفيذ اقلاب، أو الاستعانة بالشارع لإسقاط التسوية التي يشارك فيها أحد حلفائه – وليس المقصود «حزب الله» وحده الذي مهّد لمجيء عون بتعطيل البرلمان – إنما الحريري نفسه الذي كان بري بنى علاقةً وطيدةً معه منذ العام 2005 بعد اغتيال والده، الرئيس رفيق الحريري، ليتحوّل زعيم «تيار المستقبل» رفيق الأوقات الصعبة.
وحتى حين انكسر زعيم «المستقبل» العام 2011 عبر إطاحة تحالف عون – حزب الله لحكومته، على خلفية الموقف من المحكمة الدولية، تخطى بري والحريري تبايناتهما حيال المحكمة والخلاف مع سورية ومن ثم تطبيع العلاقة معها عبر الـ «سين – سين»، إلى أن جاءت التسوية فعطّلت خطوطَ التواصل بين القطبين لكنها لم تقطعها.
ما لم يتساهل به بري في الأعوام الخمسة من عهد عون لن يسلّم به في السنة الأخيرة منه
استوعب بري التسوية التي جاءت بعون رئيساً لكنه لم يهضمها كثيراً، وقاد في وجه «الجنرال» معارضةَ الأوراق البيض احتجاجاً، وتحوّل خلال الأعوام الخمسة من عمر العهد، أكثر المعارضين شراسة له، لكن وفق حسابات مدروسة، تراعي حليفهما «حزب الله»… فبري يملك الشارع، من الخندق الغميق في بيروت وضاحيتها إلى الجنوب والبقاع، وهذا ليس أمراً عابراً في حسابات الحزب الذي يسعى لعدم إشعال أي فتيل توتر بين الفريقين، تجنُّباً لتكرار سفك الدماء على غرار مع جرى من أحداث تُعرف بـ «حرب إقليم التفاح». فالحزب والحركة يُعْليان التحالف بينهما على أي مشكلات ترتبط بعلاقتهما بالآخَرين، وخصوصاً أن الانتخابات البلدية ومن ثم النيابية يُفترض أن تكون على الأبواب، ولا يمكن ترْك ثغرةٍ ما تخربط بيئتهما المشتركة المهتزّة بفعل الانهيار الاقتصادي – الاجتماعي.
لم تَرُقْ التسوية لبري، وكان لديه أكثر من مرشح بديل: رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية، الراحل جان عبيد، والعماد جان قهوجي، وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة قبل تحميله مسؤولية الانهيار المالي – النقدي. وهو حاول مسبقاً إجهاض التسوية ولم يفلح، فسعى إلى الالتفاف عليها حين حصلت، وعمل على مراكمة الإيجابيات على حساب السلبيات من دون أي نتيجة في إصلاح ذات البين مع عون.
حتى ملف التنقيب عن النفط وترسيم الحدود البحرية، وهو الملف الوحيد الذي تَقاطَعَ الطرفان (عون – بري) حوله بإيجابية، سواء لمصالح خاصة عبر تقسيم البلوكات النفطية أو لاعتبارات مبدئية تتعلق بالعداء لاسرائيل، لم يَنْجُ في نهاية المطاف من الهزات الإرتدادية لعلاقة الودّ المفقود بين الطرفين. بري تَسَلَّم ملف الترسيم البحري منذ اللحظات الأولى، ووضَعَ خطوطَه العريضة مع الأميركيين قبل أن يسلّمها إلى الوفد اللبناني الرسمي الذي يديره عون الذي لم يكن يَرُقْ له «احتكار» رئيس البرلمان لملف بهذا المستوى.
نادراً ما تَوافق الطرفان، لا في تشكيل الحكومات وإعطاء العهد حصصاً يريدها، ولا في التحضير لقانون الإنتخاب، ولا حُكْماً في محاولة عون تطيير الحريري وعدم السماح له بالعودة إلى السرايا الحكومية. من الملفات الصغيرة كـ «المياومين» في شركة كهرباء لبنان الذين كانوا يعطّلون الشارع ووزارة الطاقة حين كان الوزير جبران باسيل يتولى حقيبتها، إلى ملفات كبيرة تتعلق بالأداء السياسي للتيار والتهم التي يرميها مسؤولوه في وجه بري وحركة «أمل»، حول الفساد والمحاصصة.
لكن الاستحقاق الأساسي يبقى في كل مرة تشكيل الحكومة، واليوم يصبح مصير الحكومة والقوى السياسية على المحك، بعد تعذُّر ولادتها منذ إستقالة حكومة الرئيس حسان دياب قبل أكثر من عام. وإذا كان بري لم يتردّد مع «حزب الله» في إعلان موقفهما من ضرورة تسميتهما ممثليهما في الحكومة، إلا ان مسار العلاقة مع عون لجهة إحباط دور رئيس الجمهورية والحدّ من رسائله إلى المجلس النيابي وإفقادها معناها، تعطي لبري دوراً محورياً في تقييد حركة عون تجاه البرلمان وفيه.
لا يريد بري أن يعطي عون في السنة الأخيرة من عهده، ما لم يعطه إياه خلال خمسة أعوام، ولا يريد قطعاً إعطاء رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل الذي لا تجمعه به سوى الخصومة المطلقة، أي فرصة للوصول إلى قصر بعبدا. في عزّ فوز «14 مارس» في 2005 و2009 بالانتخابات النيابية اختارت قوى «14 مارس» التسوية مع بري وعاودت انتخابه رئيساً للبرلمان. وهذا الأمر لن يكون سهلاً على «التيار الحر» القبول به في الانتخابات المقبلة (مايو 2022). وبري يدرك ذلك، وإن كان يعرف مكانته التي يصعب تجاوزها، لكنه يدرك أن «العونيين» سيجعلون عودته إلى رئاسة المجلس مكان مقايضة.
حتى الآن يتزعم بري معارضة رئيس الجمهورية ووريثه السياسي (باسيل)، وحده من قوى «8 مارس»، ومعه الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وضمناً قوى مسيحية، منها «القوات اللبنانية». لكن لكل طرف حساباته، ورئيس البرلمان يعرف دقة موقعه اليوم في الملف الحكومي وقانون الانتخاب والانتخابات المقبلة. ففي الحكومة لن يرضى بتجاوز نادي رؤساء الحكومة السابقين، وهو الذي لم يتواجه مع أعضائه في أي معركة كسْرِ عظم، لا بل انه صاغ تسويات معهم في التعيينات وفي تسمية الوزراء في حكوماتهم، كما أنه لن يسمح بأي توتر سني – شيعي على خلفية مطالب عون وصلاحياته.
انكفاء مايسترو التسويات وحجْب قبعاته وأرانبها أحد مظاهر المواجهة مع عون ووريثه السياسي
وسيكون بري في الملف لحكومي أقرب إلى موقف رؤساء الوزراء السابقين والمرشحين لرئاسة الحكومة الذين أطاح بهم عون واحداً تلو الآخر. ولأنه يعرف موقف الثنائي الشيعي الصلب إقليمياً ومحلياً، وأن لا حكومة من دون موافقتهما، فإن رئيس البرلمان يحوّل معركته مع العهد في اتجاهات أخرى، تارة بدعم مطالب السنّة فيها وتارة بدعم مشاركة كل القوى المسيحية المناهضة لرئيس الجمهورية ومن ضمنها «القوات اللبنانية»، كما أنه يقف إلى جانب تعزيز حصة «المردة» على حساب «التيار الوطني الحر».
إقرأ ايضاً: سيف لـ«جنوبية»: لا أزمة رغيف.. و الأفران «تقونن» الإنتاج
أما في قانون الانتخاب فهو الملف الشائك الذي تقبل عليه البلاد، وسط رغبة بري صراحة في تعديل القانون الحالي، الذي توافق مع «القوات» على تمريره عندما رأى النور. القوى المسيحية تعارض في كل مرة يحاول بري إعادة النظر بقانون الانتخاب وتقف في وجهه على اختلاف تموضعاتها. ورئيس البرلمان يتحضّر اليوم لمعركة جديدة، رغم الأجواء العامة التي تشي باحتمال تأجيل الانتخابات. وهو يدرك انه سيكون رقماً صعباً في هذه المعركة. وثمة مَن يعتقد أن حجم خصومه يجعله يتلذذ أكثر في خوض المعارك، وهو الذي ما زال قادراً على النفاذ من حملة الرأي العام ضده عبر اتهامه منذ 17 أكتوبر 2019 بأنه أحد رموز الفساد في لبنان، وبأنه يحمي مُتَهَّمين بانفجار مرفأ بيروت، وبأنه أحد الذين شاركوا في تغطية سياسات حاكم مصرف لبنان وعملوا على حمايته ومنعوا التدقيق الجنائي وأسقطوا خطة حكومة حسان دياب المالية… كل ذلك وهو ما زال الرجل الأقوى والأوحد الباقي من التركيبة التي تَحْكُمُ لبنان منذ عام 1992.

