يسجل دولار السوق السوداء إرتفاعا متدرجا منذ إحتدام السجال السياسي بين الرئيس المكلف سعد الحريري ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون على خلفية تأليف الحكومة التي يبدو أنها لن تبصر النور قريبا، في ما تشير التقارير الاقتصادية بأن التجار يعمدون إلى بيع السلع على سعر دولار 14500 ليرة لبنانية، في حين أن 40 بالمئة من كلفة البضائع التي يستوردونها(الجمارك وأجرة اليد العاملة)، تتم وفقا لدولار 1500 ليرة، ما يعني أن أرباحا طائلة تقع في جيوبهم من دون حسيب أو رقيب، في ظل الاهتراء السياسي والمالي والاداري الذي يعيشه لبنان كل المستويات.
إقرأ ايضاً: أزمة البنزين تَستفحل جنوباً ودعوات إلى المقاطعة..والفلتان الأمني يتضخم بقاعاً!
نماذج التدحرج إلى جهنم
يروي أحد المواطنين في منطقة الشمال (صاحب كاليري)، أنه دخل إلى مقر قائمقامية الكورة، لتخليص معاملة فأخبرته الموظفة المعنية بأنها معتكفة عن القيام بواجباتها الوظيفية، بسبب تراجع القيمة الشرائية لراتبها، لكنها تحضر إلى مقر عملها كي لا تسجل غياب، مما إضطره إلى دفع رشوة لموظف آخر لينجز معاملته وحين عاد إلى مقر عمله، زاره مندوبو البلدية طالبين منه دفع الضرائب السنوية المتوجبة عليه، و يعلق ساخرا ل”جنوبية”، “المطلوب مني أن أدفع كل متوجباتي للدولة حين أحتاج لإنجاز معاملة في دوائرها علي أيضا دفع رشوة للحصول على حقوقي”.
تروي جنى عبد الله أنه حين أخبرها والدها ليل الاربعاء، بأن راتبها الذي يبلغ 600 دولار (تصرفه شركتها على سعر منصة 3900 ) سيبلغ صباح الخميس 900 ألف ليرة بدلا من 2340000 بسبب قرار مجلس شور الدولة ( الذي تم التراجع عنه لاحقا)، نزلت برفقة أخيها عند الساعة العاشرة مساء كي “تنقذ راتبها” كما تقول وإنتظرت أكثر من ساعة ونصف أمام الصراف الالي حتى تمكنت من قبضه.
تروي ناديا جابر أنها وقفت لأكثر من ساعة أمام أحد محطات الوقود في بيروت لتعبئة البنزين وحين أتى دورها رفض عامل المحطة تعبئة أكثر من نصف صفيحة بنزين وحين ألحت عليه، طالبها بدفع 20 ألف ليرة (إكرامية) حتى يبيعها صفيحة بنزين كاملة وبهذا تكون قد إشترت صفيحة البنزين ب60 ألف ليرة بدلا من 40 ألف ليرة.
إلى أين؟
كل الامثلة التي تمّ ذكرها عن المعاناة اليومية التي يعيشها اللبنانيون، تظهر أن بلاد الارز تنزلق من دون توقف نحو سيناريو مالي وإقتصادي أسوأ، في ظل المعارك السياسية الطاحنة التي تدور بين الافرقاء السياسيين، الذي يمسكون بمفاصل البلد للحفاظ على مكتسباتهم حتى لو أخذوا كل الشعب اللبناني إلى جهنم، مما يجعل السؤال مشروعا “إلى أين سيصل اللبنانيون بهذه الدوامة التي تبتلعهم شيئا فشيئا؟
يجيب رئيس جمعية حماية المستهلك الدكتور زهير برو “جنوبية” على هذا السؤال بالقول:”تجارب الدول التي عاشت تجربة إنهيار مالي وإقتصادي، تظهر أن التأخر في أخذ الاجراءات الضرورية يزيد الازمة المالية والإقتصادية تفاقما، مما إضطرهم إلى تغيير نظامهم السياسي قبل إتخاذ القرارات الاقتصادية الصعبة”، لافتا إلى أن “هذا ما أدى إلى نجاحهم في الخروج من الازمة، حيث تم إتخاذ قرارات سياسية وإقتصادية واضحة، وأبرز الامثلة على ذلك هو ما حصل مع قبرص واليونان مثلا و تمكنتا من الخروج من الازمات التي عصفت بهما”.
برو لـ”جنوبية”: سياسة الانكار لن تُخرج من نفق الازمة
ويوضح أن “لبنان إلى اليوم وبعد مضي سنة وثمانية أشهر على إندلاع الازمة، لا زلنا مكاننا ويتعارك السياسيون على جنس الملائكة وهذه هي المصيبة الكبرى، لأن من أوصل لبنان إلى هذا الدرك الأسفل من المعاناة هو السياسات الإقتصادية والقرارات السياسية خاطئة”، معبرا عن أسفه أنه “لا تزال هذه السياسات وهذه العقلية تحكمنا ويتم التعبير عنها في أداء السياسيين والاقتصاديين والمصرفيين، الذين يمسكون بمفاصل البلد، وهم لا يزالون مصرون على إنتهاج نفس السياسات ولا يعترفون بأنهم أخطأوا”.
يضيف:”لا زلنا في سياسة الانكار ذاتها فكيف يمكن أن نخرج من نفق الازمة إذا كان هناك إصرار على نفس السياسات وهذا أمر خطير وليس هناك بارقة أمل للخروج من هذه الازمة”، مشددا على أن “البلد ذاهب نحو إنهيار أكبر والحلول غائبة، ما يعني أن تراجع القدرة الشرائية عند اللبنانيين سيزداد، والفوضى السياسية والإقتصادية ستتفاقم نتيجة الاداء السياسي والاقتصادي الخطأ”.
ويرى برو أن “المشكلة لا تزال قائمة ولا حل إلا بتغيير النظام السياسي، ولا يمكن معالجة مشاكل البلد بنفس النظام الطائفي وهيمنة نظام المحاصصة السائد في لبنان منذ إتفاق الطائف أي الذهاب إلى نظام حديث همه تحقيق مصالح الناس”.

