على وقع الإنهيار الإقتصادي والمالي الذي يعصف بالدولة اللبنانية، وإنهيار سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميريكي، لا تزال فئة كبيرة من اللبنايين ضحية للخطاب السياسي الطائفي والحزبي، يخرجون متى تأمر قياداتهم لخرق التظاهرات المطلبية كما حصل نهار السبت والتي كادت أن تُشعل فتنة مذهبية في لبنان.
وتعقيباً على ما حصل، كتب اصحافي جعفر عطّار قائلاً: “عندما أنهى “السيّد” خطابه، محيياً “سوريا الأسد”، كنت مهموماً بعددنا، نحن الذين تظاهرنا في ساحة رياض الصلح. حدث ذلك في ٨ آذار من العام ٢٠٠٥. آنذاك، كنت في عامي السابع عشر، فتى حائر بين ضفتين: تلميذ مشاغب في المدرسة، وكاتب خجول في جريدة “السفير”. أيهما أنا؟ لم يكن الجواب مهماً. “أكتر من مليون!”، قال ابن العمّ مجيباً عن “عددنا”. بدت فرحتي كأنني ربحت كأس العالم. لكن، من “نحن”؟ لم أفكر، وإنما شعرت. كانت ردة فعلي عاطفية، غريزية، وبالتالي غبية: “نحن” الذين سنتفوق “عليهم” بالعدد. من “هم”؟ إنهم من يريدون “تدميرنا”. لماذا؟ لأننا شيعة. هكذا، بهذه البساطة، بهذا التلقين، كنت مزهواً بالحشد، بالجماعة، بالانتماء. كنت الفتى الخائف من “هولوكوست” مختبئة، مرتقبة، حتمية لكن مؤجلة. كنت ابن الطائفة الذي ما إن يشعر بقوة الحزب حتى ينتشي فرحاً ويرتاح كما لو أنه في حرب يومية، كأنه الضحية الأبدية. من أكون؟ لا أحد”.
إقرأ أيضاً: «حزب الله» ينقضّ على حكومة دياب: وزارءه مغشي عليهم لا يستيقظون!
أضاف في منشور له عبر حسابه على “فايسبوك”: “أنا أكون حيث تكون الجماعة. ماذا أريد؟ أنا أريد ما يريده “قائد” الطائفة، أنا امتداد، تابع، ملحق، ببغاء. وكلما قرأت أو سمعت نقاشاً يخوّن تفكيري، كلما ازددت اقتناعاً بمعتقدي. مثل السائر في نومه، بقيت عامين، إلى أن ولدت الأسئلة، وحدها: ماذا تفعل الجماعة لفقرنا، نحن أولاد الضواحي؟ ماذا تقدّم لنا الطائفة، نحن الفقراء؟ أسأل وأكتب. أفكر، بلا عاطفة، وأنشر. ثم في العام ٢٠١١، كنت مزهواً باقتراب الحلم: حملة إسقاط النظام الطائفي. كنا نسير بالمئات، فالآلاف، بلا قائد، ضد الطائفية وأحزابها”.
ولفت الى أن “الحلم هدأ سريعاً يومها. لم تكن ثورة، وإنما عدوى انتقلت إلينا من تونس ومصر. بعد أربع سنوات، ظهر الحلم مجدداً في حراك العام ٢٠١٥. حينها، تحركت كراسي الأمراء، لكنها لم تسقط. تعبت قبضاتنا وأقلامنا وحناجرنا، لكنها لم تستسلم، بل عادت ومعها عشرات الآلاف، في ١٧ تشرين. من بين هؤلاء الآلاف، ثمة أعداد كبيرة تشبه ذاك الفتى الذي كنته: أقنعتهم الطائفة أن الثورة ضدهم، فانسحبوا خوفاً من “محرقة” ملثمة. لكن، لماذا خافوا منا، نحن الذين نشبههم في كل معاناتهم؟ كيف لنا أن نكون “ضدهم””؟
وختم: “ثورتنا ضد سعد ونبيه ووليد وسمير وجبران وسليمان، ضد سامي الجميّل وأشرف ريفي وبهاء الحريري وكل أمير طائفة أو حزب أو مجموعة. نحن وحدنا، ضدهم كلهم. “شيعة.. شيعة”، ليس هتافاً عابراً، ولا خطة مدروسة في لحظتها. إنها ردة فعل الخائف: أنا ابن الطائفة، يقولها متبجحاً، أنا ابن الجماعة، أنا لا أحد، هكذا نراه، وأنا كل أحد، هكذا يرى نفسه، بينما نعرف أن ثورتنا الحقيقية لم تبدأ بعد، وهي حتماً أصعب ثورة في الكوكب: إننا نواجه أكثر من سبعة رؤساء، لا رئيساً واحداً، إننا مبعدون عن بعضنا، لسنا شعباً واحداً، لكننا سنكون”.

