«الكاستنج»: ممثلون يتنافسون في جمال الشكل والوساطات…

دخل مفهوم "الكاستنج" كتجارب للأداء يقدمها ممثلون أمام مخرج يحضر لعمل فني جديد إلى المنطقة العربية قبل سنوات، ليغير قواعد الصناعة الفنية كون هذه الشركات تعمل على اختيار ممثلين أو عارضي أزياء للعب دور تمثيلي في إعلان أو مسلسل أو فيلم أو فيديو غنائي.

تدريجياً تحول موضوع “الكاستنج” إلى عملية تسويقية تقوم فيها شركة الإنتاج الفنية بتحديد أيام تجارب أداء للمثلين المتقدمين، لانتقاء من يناسب الدور المطلوب تأديته أمام الكاميرا.

وما يثير الاستغراب هو استناد عدد كبير من هذه الشركات على معايير شكلية بالدرجة القصوى وليس المعيار الأكاديمي للممثل، وهذا ما دفع عدد من خريجي معاهد التمثيل في سوريا ولبنان للإحجام عن التقدم الى تجارب أداء هذه النوعية من المقابلات.

في سوريا تكرّر المشهد خلال السنوات الماضية، بعدما بدأت مؤسسة الإنتاج التلفزيوني الحكومية في هذه التجربة، وشكلت أيام أداء الكاستنج تجمعاً للمئات من المتقدمين في بهو المؤسسة الضيق، وتحويل المشهد إلى يوم مكتظ في دائرة حكومية ملأى بالفساد والرشاوي، قابل ذلك تكريس نمط الشلليلة والعلاقات الشخصية بين المخرج والوجوه الجديدة ما يعني شكلية الكاستنج وعدم اعتماده بشكل جدي في انتقاء المواهب الحقيقية المناسبة.

اقرأ أيضاً: «ببساطة»: حلقات كوميدية قليلة الدسم

تطّور الموضوع فيما بعد إلى فرز الخريجين عن غير الأكاديمين في أيام منفصلة بعد كثرة النقد الموجه من قبل الطرفين، لكن ذلك لم يلغِ حالة الفوضى وعدم حصول الممثل على الفرصة التي يستحقها في التجارب.

مؤخرأ عملت الشركات الخاصة في سوريا على صناعة هذه التجربة وبرز للإعلام يومي “كاستنج” الأول لصالح شركة “إيمار الشام” لانتقاء وجوه شابة في مسلسل “كونتاك” والثاني لصالح شركة “سما الفن” في إطار الاستعداد للموسم الرابع عشر من مسلسل “بقعة ضوء”. العملان بطابعهما الكوميدي يحتملان وجود عدد من الوجوه الشابة إلا أنَ الفيديوهات المنتشرة من أيام الكاستنج لا تعبر عن البناء الصحيح لهذا المشروع، فـ “إيمار الشام” اعتمدت على “كاستنج” انفعالي بالغ فيه المتقدمين بردات فعلهم المستفزة، في حين ظهر كاستنج “سما الفن” على شكل دردشة جماعية بين المخرج والمتقدمين.

في لبنان الوضع ليس مغايراً بشكل كبير، على الرغم من وجود حركة مسرحية كثيفة مقارنة بسوريا تقابلها حالة طلاق بين المنتجين والمخرجين والعروض المسرحية، ما يعني اعتماد الشركات الكبيرة على شركات “كاستنج” مختصة تؤمن لهم ممثلين بمواصفات معينة. وهذا ينسحب على كافة قطاعات الفنون البصرية، فتصبح علاقة الممثل مع الهرم الأكبر وهو مدير شركة الكاستنج وليس المنتج أو المخرج. وهنا يغلب الشكل بمقومات الطول والوزن ونقاء البشرة ولون الشعر على باقي المعايير الفنية، وليس غريباً أن تكون مشاهد قليلة لهؤلاء المتقدمين فرصة رابحة ليغدوا نجوماً خلال سنوات قليلة دون الحاجة لدراسة أكاديمية ومعاناة شاقة، وقد أشار الكاتب مازن طه إلى هذه الحالة في مسلسل “كراميل” من خلال استعراض عمل شركات الكاستنج وتحكمها بالمعايير الجمالية للمتقدمين ليس أكثر، كما ناقش المسلسل التركي الشهير “عمر ودفنة” الموضوع من باب اختيار شركات الإعلان للعارضات الجميلات بمعايير محددة للغاية.

اقرأ أيضاً: روبي… من الأغاني الهابطة إلى فنانة من طراز رفيع

وبين عالمي الإعلان والفن تختلط الصور لتبرز مراهنة الشركات على وسامة الممثلين لتسويق أعمالها نظراً أن جزءاً كبير من هذه الأعمال لم يعد يصّور الفقراء والطبقات المسحوقة والشوارع العادية ما يعني صدارة الشكل بالدرجة الأولى.

ينتهي “كاستنج” وينتظر الحالمون “كاستنج” آخر، في رحلة معاناة طويلة للوصول إلى الشاشة وحالة ضياع بين التركيز على الموهبة وصقل أدوات التمثيل وبين الاعتناء بالشكل في درجة مبالغ بها وتصدير ذلك على حسابات مواقع التواصل الاجتماعي، وكأنّ مدير الكاستنج يسأل الممثل أو الممثلة خلال المقابلة: من أي نادي رياضي تخرجتَ؟ أو من أي صالون تجميل قدمتي؟!

آخر تحديث: 8 مارس، 2019 6:31 م

مقالات تهمك >>