ماذا جرى في عرسال اللبنانية؟

لا يدّعي هذا المقال وكاتبه أنهما على علم بـ"فك الشيفرات" وأنّ الحقيقة لديهما بشأن ما جرى مؤخرا في عرسال الحدودية بين لبنان وسوريا إلا أنّ عددا من الوقائع والحقائق (إذا جاز تعبير "حقائق") تستدعي التوقف عندها والتفكير فيها وربطها مع الأحداث اللاحقة.

في لبنان, يُسلّط الضوء هذه الأيام على مواجهة “شرسة” بين اللاجئين السوريين ومؤسسة الجيش اللبناني. وبحكم القدرة الإعلامية الرقميّة وتأثيراتها العامّة تضيع “الحقائق” والتوضيحات في فلك افتراضي أسس لمنابر “حرّة” للطالح قبل الصالح. بات “الرأي” غير العلمي وغير المطلع على الوقائع أكثر تأثيراً من “الحقيقة” لدى أصحاب الشأن نفسهم. هذا قد يفسح في المجال لطمس مجريات الأحداث على هوى مدّعي المعرفة والإلمام السياسي والحقوقي (بغير قصد) أو بقصد من صاحب الأجندات واللاعب السياسي من منطلق “السيكولوجيا المضادة” التي تبرع فيها طهران وحلفاؤها. لكنّ الخطورة تبقى في تبعات وقع هذه المنابر “غير المسؤولة” حيناً والتي تسعى إلى أحياناً إلى التضليل وتنفيذ أجندات جانبيّة مشبوهة باطنها سياسي وسطحها تفريقيّ وتعبويّ بين شعبين شاءت الظروف الجغرافيّة أن يتقاسما الجغرافيا والتاريخ.

اقرأ أيضاً: فايد لـ«جنوبية»: معركة جرود عرسال إيرانية

في لبنان اليوم, لا مواجهة بين الجيش اللبناني واللاجئين السوريين! وجلّ من يسعى إلى تعليبها على هذه الشاكلة يعدّ لمسرحيّة يكون هو بطلها. وهذا ما تكشّف مع إطلاق حزب الله ساعة الصفر ضد الإرهاب في جرود عرسال.

هذا الموقف الرافض لما قيل عن “مواجهة بين الجيش واللاجئين” لا ينبع إلا عن معرفة باللاجئ وبمؤسسة الجيش اللبناني.
معرفة دستورية ومؤسساتية بجيش وطني لا يتصرّف ميليشيوياً ولا يمكنه ذلك أصلاً! أما قانونياً فالتصرّف الميليشيوي ضد مدنيين لجيش دولةٍ هي عضو بالأمم المتحدة يستتبعه جرّ البلد وجيشه إلى محاكم دولية في حال استخدام العنف المفرط. وهذا الأمر بغير وارد في مؤسسة الجيش اللبناني وقيادتها (لا يخلو الأمر من بعض العناصر المخربة والخائنة, كما هو الحال في أيّ مؤسسة رسمية في أيّ دولة كبرى أو صغرى).

وفي موازاة ذلك, هناك معرفة باللاجئين السوريين الذين تابعتهم عن كثب منذ العام 2012 وحتى تاريخه.

ففي ما يتعلّق باللاجئين السوريين, هناك وقائع لا يمكن التغاضي عنها.
أولا, لا يمكن خلط الأخيار والأشرار وجمعهما في خانة تسمى “اللاجئون السوريون”. ففي أيّ بلدٍ ومجتمع وحيّ وبناءٍ وأحياناً عائلة, قد يكون هناك ضالاًّ عن الحق والصواب وخارجاً على القانون. فكيف الحال بالنسبة إلى أكثر من مليونين من مختلف المجتمعات والمناطق والأديان والطوائف والمذاهب والعشائر قد لجأوا إلى الجوار هربا من الحرب بسوريا.
ثانيا, عدم القبول بإنشاء مخيمات نظاميّة تؤويهم في لبنان أجبر عددا كبيراً منهم على تطبيق المثل الشعبي القائل “كل مين إيدو إلو”. بالتالي فإنّ ظروف العيش والاستمرار مع غياب أقل ظروف الحياة تحتّم على كثيرين السير في اتجاهات غير محبّبة وغير رسميّة. طبعاً لا نتحدّث هنا عن جريمة أو إرهاب، بل عن ممارسات لأعمال بطريقة غير رسمية وتأثيرها على الاقتصاد اللبناني ألخ…
ثالثاً, اللاجئون السوريون نفسهم وبغالبيتهم “ضد الإرهاب”. وهذا ما أعرفه عنهم بحكم معرفتي بهم ومواكبتي الطويلة لهذه المسألة. مع العلم, أنّ معظم المعلومات الأمنية والاستخباراتية ـ قبيل تنفيذ مداهمات عسكرية وأمنية ـ تأتي من داخل هذه المخيمات ومن مسؤولين سوريين محليين فيها يتعاونون مع السلطات اللبنانية لضبط الأمن وتسليم “إرهابيين” أو ” مسلحين” أو أي خارجين على القانون بجرم ٍ قد يؤثّر على سمعة المخيم.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنّ تعبير “البيئة الحاضنة” لم يأتِ من عدم… وهذه المخيمات العشوائية (والتي تتحمّل مسؤولية عشوائيتها الدولة اللبنانية التي سمحت بإقامتها بدلا عن مخيّم مركزي بغطاء أممي) أوصلت الحال إلى عيش أبرياء مدنيين على الفتات, وإلى تحوّل عدد منها إلى بؤرٍ حاضنة لكلّ أنواع الخارجين على القانون, يتمركزون فيها ويستبدون باللاجئين داخل هذه المخيمات عبر أساليب ضغط مختلفة.

أما في ما يتعلّق بالجيش اللبناني كمؤسسة رسميّة, بعض التساؤلات تُطرح حول ما حدث في عرسال مؤخرا.
أولا, استخدام الصور الأولى من المداهمة ونشرها على مواقع التواصل والتي ظهر فيها أشخاص ممدون أرضاً في سياق العملية وتم الترويج لهذه الصور مرفقة بتعليقات وتأويلات وصفيّة متفاوتة. (وهنا نتحدّث عن الصورة الثابتة التي تظهر لاجئين ممدين أرضاً – قبل بروز قضية الانتهكات بحق المعتقلين). وهذه الصورة كانت في إطار تدبير أمني احترازي ضمن أيّ عملية أمنية وعسكرية تنتقل إلى مرحلة الخطر الجماعي لوجود انتحاريين. أما تفاعل الرأي العام “التواصلي” ومن يدعون أنهم “حقوقيون” مع هذه الصور فلم يكن في مكانه. وبالتالي رفع حساسية صريحةً تجاه الجيش في هذه المسألة تحديداً.

 

وما تلا هذه المرحلة يحتاج التوقُفَ عنده…

 هنا ننتقل إلى النقطة الثانية. فبعد الأخذ والردّ على الصور المسرّبة حول المداهمة وفيما الأمور في أوجها, يتمّ الإعلان عن مقتل معتقلين وتسليم جثثم التي تظهر عليها علامات التعذيب. وجاءت هذه التطورات لتصبّ الزيت على نار لم تنخمد. وهنا لا يشكك هذا المقال بوجود “تعذيب” و”اعتقال”, وإنما يصوّب الاتهام إلى مخرّبين قد يكونون داخل المؤسسة العسكرية أجندتهم مختلفة. (أما شبه – المؤكد منطقياً فهو عدم وجود قرار مركزي بالقتل والتعذيب). بالتالي, استتبع هذه الأحداث هجوم من كلّ صوب على مؤسسة الجيش اللبناني وفقاً لأجندة المستفيد من “توحيش” صورة هذه المؤسسة. هذا بالإضافة إلى أنّ السؤال المطروح والذي يدحض منطقياً وجود أيّ قرار مركزي من قبل المؤسسة العسكرية ضد اللاجئين هو:

لماذا قد تريد مؤسسة رسمية أن تصعّد وتعترف ضمنياً وتقرّ بأنها انتهكت وعذبت معتقلين وقتلتهم قبل أن تسلّمهم بعد أقل من 48 ساعة جثثاُ هامدة إلى ذويهم؟! (لو كانت ميليشيات لكان بالإمكان القول إنها سرّبت ذلك كرسالة تهديديّة ضمن مسلسل تخويفي هادف). أما أيّ جيش رسميّ له مخصصات ومساعدات سنوية ضمن برنامج في ميزانية كبرى الدول كالولايات المتحدة لا يفعل ذلك! أضف إليه أنه قد يواجه محكمة دولية! (الوضع بسوريا مع النظام وجيشه مختلف).

إذن, من هنا يجب التوقف والبحث فعلا في ما جرى بعد هذه الأحداث الترويجية و”التويحيشية” لصورة الجيش كعدوّ للاجئين السوريين وصولاً إلى استتباع هذه الأحداث بتسريب فيديو ضرب شاب سوري من قبل مجهولين (مجهولون في الفيديو). وأجمع المراقبون على أنه عمل مشبوه لزرع الفتنة بين اللبنانيين والسوريين كشعبٍ أولاً, ورسالة سياسية وأمنية وعسكرية من شأنها إضعاف مؤسسة الجيش. وفيما تتم كتابة هذه السطور, صدر خبرٌ صحافي مفاده بأنّ الشاب السوري الذي كان وراء صفحة “اتحاد الشعب السوري” التحريضية ضد الجيش والذي يدّعي أنه متضامن مع اللاجئين السوريين, تبين أنه سوري موالٍ للنظام ويُنسّق مع سرايا المقاومة التابعة لحزب الله.

جرود عرسال

 وسط كلّ هذا الأجواء، فإنّ حزب الله يظهر كمستفيد أول داخلياً، ومن ورائه إيران إقليمياً.

في الداخل اللبناني، وبناء على الأحداث الأخيرة يمكن ملاحظة أنّ كل ما سلف يصبّ في مصلحة حزب الله.
فالمسعى إلى “توريط الجيش” (وهذه المساعي غالباً ما تكررت في لبنان على كلّ مفترقٍ يعوّل فيه على “هاجس انقسام جيش من مختلف الطوائف والمذاهب” في بلد طائفي أولا) يظهر من خلفها مخرّبون يعملون في هذا الاتجاه داخلياً وخارجياً. ونتيجة ما حدث منذ المداهمة الأخيرة في البلدة يتكشّف تباعاً وجود محاولة لإضعاف الجيش اللبناني والدولة اللبنانية في الحرب ضد الإرهاب عبر معركة جرود عرسال ضد “جبهة النصرة”. وإضعاف صورة الجيش وتقويض قدرته تسمح لحزب الله بالظهور على شكل المنقذ والترويج لمبررات وغطاء مباشر لحسم معركته “ضد الإرهاب” التي يتظلل بها منذ عام 2013.

وفي نفس الوقت، وبينما كان هناك تلهّياً بموضوع الجيش واللاجئين, كان حزب الله يفاوض النصرة للانسحاب إلى إدلب. والخطة البديلة كانت برفع إعلامه من وتيرة الترويج لساعة الصفر لإطلاق عمليته في جرود عرسال. وتزامنت أحداث عرسال الأخيرة بين الجيش وبعض اللاجئين مع معركة عرسال التي على أساس أنّ الجيش كان من سيقودها، قبل أن تنجح المسرحيّة المشار إليها ويُطلق حزب الله عمليته هناك بعد مساعيه لإخلاء الساحة لقيادة المعركة.

أما إقليميا فرأى بعضهم بأّن المسألة سوريّة صرفة لا لبنانية. فالتوقيت يتزامن مع اتفاق أميركي – روسي بسوريا يستثني إيران صراحة. كما يجري الحديث حالياً عن هدنة ثانية عرّاباها موسكو وواشنطن مجددا وهذه المرة في وسط سوريا. وهذه المنطقة كانت تعوّل إيران على أن تكون هي المسيطرة فيها بحال تمّ أيّ تقسيم عسكري لمناطق النفوذ. 

اقرأ أيضاً: التلّي: لن أخرج من جرود عرسال إلا بالتابوت أو بخروج حزب الله من أرضنا

ومعركة عرسال الحدودية على “حدود غير مرسّمة” تحوّلت بالتالي إلى معركة سورية – لبنانية، تسعى من خلالها إيران عبر حزب الله لتوجيه رسالة إلى واشنطن وموسكو بأنه على رغم الاتفاقات بينهما فإن طهران تريد التأكيد أن بإمكانها أن التحرك ميدانياً أحادياً، وتقرير مصير جبهاتها ولاجئيها ونازحيها ورسم ديمغرافيا فيها وفق مصالحها.  

 في الموازاة، ينفّذ النظام بسوريا خروقات للاجواء اللبنانية بحجة ضرب الارهاب في جرود عرسال. وهذه الخروقات التي تمثّل انتهاكاً صريحاً لسيادة لبنان من شأنها إظهار الجيش بصورة غير القادر على مسك الأمور وحده فيكون بالتالي بحاجة لتعاون مع النظام في الجرود عسكرياً. وهناك, في الوقت نفسه محاولات وضغوطات من النظام وحلفائه في لبنان لدفع الحكومة اللبنانية للتواصل معه بشأن عرسال حالياً وملف اللاجئين عموماً ليكون ذلك تكريس ضمني لـ”شرعنة” النظام بسوريا.

 

آخر تحديث: 21 يوليو، 2017 3:06 م

مقالات تهمك >>