قبل أن يغادر الرئيس فرانسوا هولاند الرياض يوم الإثنين 12/12/2013 منهياً زيارة قد يتبين مستقبلاً وفي ضوء البدء بتنفيذ ما تم الإتفاق عليه من مشاريع إستراتيجية أنها «أم الزيارات» لرؤساء آجانب إلى السعودية، حرص على أمرين: الأول هو التأكيد على أن فرنسا على إستعداد كبير للتعاون مع المملكة العربية السعودية في مجال مشاريع الطاقة النووية. أما الأمر الثاني فهو إستكمال مخاطبة الملك عبد الله بن عبد العزير وولي عهده الأمير سلمان بن عبد العزير بما يؤكد إنسجام الموقف الفرنسي مع قضايا تهم المملكة وبالذات الموضوع السوري والموضوع الإيراني والموضوع اللبناني مع ملاحظة أن هذه الموضوعات ذات منبع واحد وهو السياسة التي تنتهجها الثورة الإيرانية. وبطبيعة الحال هنالك الموضوع الفلسطيني والموضوع المصري. ولم يسجل الجانبان حولهما تقاطعات جوهرية وذلك بأمل أن يتطور الموقف الفرنسي من مبادرة السلام العربية فيتبناها ولا يعود وزير الخارجية الأميركية جون كيري يتصرف كمنحاز في الدور الذي يتولاه من أجل إيجاد تسوية تقوم بموجبها الدولة الفلسطينية ويُطوى نهائياً هذا الملف المتواصلة ألآعيب الأطراف الدولية به للسنة الستين على التوالي. وبالنسبة إلى الموضوع المصري فإن فرنسا هولاند تقترب أكثر من الرؤية السعودية بالنسبة إلى هذا الموضوع.
إلى ذلك حرص الرئيس هولاند قبل أن يغادر الرياض على اللقاء بمجموعة من رجال الأعمال السعوديين في مقر مجلس الغرف السعودية في الرياض وتلك لفتة نادراً ما لاحظناها في «اجندات» حكام دول كبرى لا يخصون خلال زياراتهم أهل المال والإقتصاد بلقاء في مقرهم الذي هو مجلس الغرف الإقتصادية على أنواعها. وأهمية اللفتة التي صدرت عن رئيس فرنسا في أنه هو من ذهب إلى رموز السعودية المال والإقتصاد والتجارة وليس الترفع عن ذلك بمعنى أن يبرمج نشاطه خلال الزيارة على أساس تخصيص بعض الوقت لوفد من رجال المال والإقتصاد والصناعة والتجارة السعوديين يجتمعون به في مقره. كما أن الرئيس هولاند إرتأى توظيف اللفتة التي قام بها فأبلغ زواره ما معناه إنه سيعمل على ضمان الإستقرار الضريبي وتسهيل الإجراءات للمستثمرين السعوديين. وهو بما فعله أدخل بعض الطمأنينة إلى نفوس أهل الإستثمار المكتوين بتقلبات القوانين والإجراءات الضريبية في مصر بعد ما كان زاد منسوب الثقة به في لقاءاته مع أهل الحكم. كما أنه في تأكيده على الطمأنينة والثقة يصبح قادراً لسنتين مقبلتين على الأقل أن يمارس الحكم غير هيَّاب لأن عوائد الإتفاقات مع المملكة التي عقد بعضها وثبَّت ما كان معقوداً من قبل ستخفف من وطأة الإنكماش الإقتصادي العام.
لكن يبقى الأمر الأول، المتعلق بالتعاون مع المملكة في مجال مشاريع الطاقة النووية هو الذي يعنينا هنا بشكل خاص، ذلك أنه بعد أربعة أيام من عودة الرئيس هولاند إلى باريس من زيارته إلى السعودية، التي هي بأهمية الزيارة الأولى التي قام بها مباشرة بعد ترؤسه وكانت إلى المانيا وإبرام رؤى ذات طابع إستراتيجي مع المستشارة أنجيلا ميركل، تم التوقيع في مجلس الغرف التجارية السعودية في الرياض وبحضور أكثر من أربعمئة رجل أعمال وأكاديمي ومسؤول من الجانبيْن السعودي والفرنسي على إتفاق تعاون بين «جامعة الأمير محمد بن فهد» وشركة «أريفا» التي تُعد الأكثر تقدماً على مستوى العالم في مجال الطاقة النووية، وأهمية هذا الإتفاق الذي سيكون واحداً من إتفاقات يتم الإعلان عنها لأن هنالك إتفاقات تكتسب صفة السرية كونها تتعلق بمنشآت نووية بالغة الأهمية، أن الشركة الفرنسية ستأخذ على عاتقها تنشئة جيل سعودي نووي وبالتدرج وهذا سيؤدي إلى تطوير الكوادر والكفاءات السعودية في مجالات الطاقة المتجددة.
ما نريد قوله إن هنالك جدية في التعاون السعودي – الفرنسي بدءاً من أمور التجارة والمصارف وصولاً إلى بناء قوة نووية ليس بالضرورة أن تكون من أجل أغراض إقلاق الآخرين كما هي الحال بالنسبة إلى المشاريع النووية الإيرانية.
وبدل أن تهتدي إدارة الرئيس أوباما إلى سواء السبيل فإننا نراها لا تنهي هذا التسويف في أمر التسوية النهائية للموضوع الفلسطيني – الإسرائيلي لكي تستعيد ثقة العرب بها وبالذات ثقة الصديق التاريخي المملكة العربية السعودية ولا تعود تتعقب أي أطراف تسَّعى لعلاقة مبدئية مع المملكة على نحو أحدث التعقبات المتمثلة بزيارة مباغتة من وزير الخارجية الأميركية جون كيري إلى الرياض وإجتماعه بالملك عبد الله بن عبد العزيز يوم الأحد 5 كانون الثاني 2014 من أجل إطلاعه على ما تم التحادث في شأن التسوية مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، وكأنما الرئيس الفلسطيني لا يحيط وعلى الفور خادم الحرميْن الشريفيْن وولي عهده الأمير سلمان بن عبد العزيز بما يقترحه كيري على الجانب الفلسطيني وما ينقله من أفكار نتنياهو إليهم.
ومن هنا يجوز القول إن الوزير كيري جاء إلى الرياض متعقباً ما أنجزه رئيس فرنسا. وبدل هذا التعقب ومحاولة زرْع الريبة في النفس السعودية فإن أمام الإدارة الأميركية خير فرصة لإستعادة الثقة بها ولكي تصل الثقة إلى مرتبة ثقة المملكة بالعلاقة التي نالها وإن بالتدرج فرانسوا هولاند. والفرصة كما نتصورها هي أن يتصرف الوزير كيري في المسعى الذي يقوم به كمحايد بمعنى أن يطبِّق التعهدات التي سبق أن وعد إدارة الرئيس أوباما بتنفيذها. أما أن يستمر كيري جوَّالاً بين القدس ورام الله للمرة العشرين على التوالي وهو عقله بالكامل مع إسرائيل وربع قلبه مع السلطة الوطنية الفلسطينية فيما الثلاثة أرباع المتبقية هي أيضاً لإسرائيل، فهذا معناه أنه سيجد فجأة ذات يوم أن جمهور السلطة الوطنية الفلسطينية بات أكثر تشدداً من جمهور «حماس»، وأن مبادرة السلام العربية طويت ولم تعد على الطاولة. ولن يخفف من هذا الإحتمال أن الوزير كيري لم يجد ما يقوله حول المبادرة المتوازنة بعد إجتماع بالملك دام ثلاث ساعات (نصفه للترجمة) وبحضور وزير الخارجية السعودية الأمير سعود الفيصل سوى القول «تم خلال المقابلة مع الملك عبد الله بن عبد العزيز الذي أشكره على حفاوة الإستقبال وكرم الضيافة، تبادُل وجهات النظر، وبشكل خاص الجهود التي يقوم بها الملك لإيجاد حل دائم للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. ويعلم الجميع أن الملك عبد الله من خلال حرصه على حل هذه القضية قدَّم مبادرته التي تُعرف الآن بالمبادرة السلام العربية للسلام والتي صارت جزءاً من الإطار الكلي للجهود المبذولة لتحقيق السلام العادل والدائم والشامل وفق مبادئ الشرعية الدولية وقراراتها ومبدأ الأرض مقابل السلام ومبادرة السلام العربية…». وهذا الكلام دبلوماسي في معظم مفرداته في حين أن الموقف النزيه هو في تضمين التصريح ما يفيد بأن الإدارة الأميركية ترى أن مبادرة السلام العربية هي الأساس للحل الذي تدور المحادثات في شأنه وليست مجرد جزء من الإطار، خصوصاً أن هذا التردد من جانب الإدارة الأميركية في تبنِّي المبادرة جعل الحكومات الأوروبية تتردد وجعل نتنياهو يمعن في إرتكاب كل ما من شأنه تعطيل السعي وخصوصاً إدراجه الإصرار على تواجُد إسرائيل عسكرياً في غور الأردن وكذلك النص في أي إتفاق على تبادُل الأراضي والسكان وغيرها من الإشتراطات الإسرائيلية التعجيزية، وكذلك إفتعال الذرائع الواهية من أجل ثني الجانب الفلسطيني عن التمسك بأمور جوهرية مثل أن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية لا شريك لأحد غير الجانب الفلسطيني فيها أي ليست عاصمة ثلاثية الأديان وبذلك تبقى إسرائيل فيها. ولا بد أن الوزير كيري سمع من الملك عبد الله بن عبد العزيز الكلام الذي من مصلحة الإدارة الأميركية التأمل به والأخذ بمقتضاه لكي تعود العلاقة معها إلى سابق إزدهارها. وهذا يتطلب في الدرجة الأولى من الإدارة الأميركية الضغط على إسرائيل لوقف الإكثار من التلاعب بالأمر الخاص بعاصمة الدولة الفلسطينية لأن الحل يبدأ منها.

