نتغنى كثيرا بأننا “أمة” المليار ونصف المليار مسلم , ولكننا ننسى أو نتناسى أن هذا العدد , مجزأ الى جزئيات , تكاد تكون أبعد ما يكون الى مفهوم الأمة أو الانخراط ضمن كيان واحد.
ننسى أو نتناسى أن بضع ملايين من الصهاينة , يغتصبون قلب “الأمة” ويسيطرون على أولى القبلتين وثالث الحرمين , يعني أقدس مقدسات هؤلاء المليار ونصف المليار.
ننسى أو نتناسى أن هذه ” الأمة ” هي مجموعة دويلات وأقاليم وأعراق وطوائف وتيارات , متخاصمة تأكلها الكراهية والصراعات ويسيطر عليها فن المكائد وقتل الآخر .
ننسى أو نتناسى أننا نقتل بعضنا البعض باسم ” الدين ” في شوارع سورية والعراق ومصر , ونستقوي بروسيا أو أميركا , ونجعل من أنفسنا وقودا لحرق بلادنا من أجل مصالح الآخرين.
هذا ليس شعرا وليس كلاما وجدانيا , انما الواقع الذي نعيشه , والحال التي نحن عليها.
فمنذ ما يعرف بمرحلة الاستقلال وانتهاء الاستعمار الغربي حتى يومنا هذا , لم تشهد هذه الدول سوى أنظمة قمعية ديكتاتورية سميت بالنامية حفاظا على مشاعرها من تسميتها بـ ” المتخلفة ” وهذه الدول لم تعرف التنمية ابدا بل عرفت التأخر والتفنن بإسكات صوت الشعوب عبر القتل والتعذيب والنفي.
أنظمة جعلت من التفكير جريمة , وحولت البشر من عبادة الله الى عبادتها , وعملت على جعل الانسان والمجتمع في حالة جمود فكري غير قادر على تقبل أي أفكار أخرى غير المعهودة .
دول جعلت دماء شعوبها رخيصة , وانتهكت الروح والجسد في سبيل الحفاظ على الفساد , وتقول للغرب أين حقوق الانسان والمجتمع الدولي في مساعدة المظلومين؟ فهل يحق لمن لا يحترم نفسه أن يطالب من يختلف عنه ولديه أطماع واضحة ومصالح كبرى في أرضه بأن يكون منقذه؟ فلماذا يقدّم الغرب المعونة ويساعد هذه الدول على تحقيق الحرية والديمقراطية لهم وهم في الأساس لا يريدون هذه الحرية والديمقراطية؟ ألم يزل الشعب المصري طاغيته ويجري انتخابات حرة ديمقراطية وانتخب رئيسا ومن ثم انقلبت فئة على الديمقراطية وطالبت بعودة الديكتاتورية؟ ألم يجابه الشعب السوري بالموت لأنه طالب بالحرية؟
أليس هناك فئة بهرت بالحضارة الغربية وارتمت في أحضانها ولكن فقط بما يخص الفساد الاخلاقي والاجتماعي وعندما وصلت الى مفهوم الديمقراطية لم يستهويها وتجاوزته معللة ذلك بالحفاظ على الدولة المدنية ملغية الآخر, وفئة اخرى حملت الدين كشعار وكفّرت الآخرين ونصّبت نفسها وصية على العباد وسموا انفسهم بالاسلاميين وهم لم يدخلوا الى مضمون الدين ولم يفهموا منه سوى أنهم أهل الحق والآخرون أهل الباطل , فأصبحت “الأمة ” بين أقصى اليمين وأقصى الشمال وأصبح الدين الحق وحيدا ضائعا بين الفئتين , فلا الأولى وصلت الى الحداثة والحرية والديمقراطية , ولا الثانية وصلت الى الدين الصحيح, فالأولى صورت الدين بأنه افكار رجعية غير قابلة للتماشي مع روح العصر والحداثة وعائق في طريقها الى التنمية والحداثة , والثانية صورت الدين على أنه وحش يقتل ويفجر ويرهب .
فالمشكلة الاساسية ليست في الآخرين , انما في الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي الذي تعيشه الدول التي تسمى بـ”الدول الاسلامية” , فليس هنالك رؤية أو استراتيجية واضحة لسياسات حالية أو مستقبلية , فكل فئة لا تفكر سوى بالغاء الفئة الاخرى من أجل السيطرة على السلطة والحكم , ففكرة الغاء الآخر تسيطر على فكرة الصالح العام حتى لو تطلب ذلك الاستعانة بـ “الشياطين”.
فـ” الأمة” على شفير الهاوية , تحتاج الى اقتلاع رعاتها وإصلاح ذاتها .

