لم يعلن عون تفاصيل الخلاف مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي ولا مع رئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي، غير أنّ هذا الخلاف أصبح معروف التفاصيل، وبات اللاعبون في حال انكشاف، شبيه بكلّ أزمات توزيع المنافع، التي سُجّلت منذ اليوم الأوّل لتأليف الحكومة.
لكلّ من هذه الأطراف أجندته الخاصة في ملف النفط. ميقاتي لا يريد لوزير الطاقة جبران باسيل الاستئثار بكلّ الطاقات في موضوع التلزيم الذي يُعتبر “جنّة انتخابية”، ويريد ميقاتي أيضاً استثمار موضوع منع عقد الجلسة الحكومية لإقرار التلزيم، لتسليف تيار “المستقبل” موقفاً يمهّد لرفع “الفيتو” عن تسميته لتأليف الحكومة في حال اعتذار الرئيس المكلف تمّام سلام.
وليس في ملف النفط أيضاً يريد ميقاتي تسليف “المستقبل”، بل في ملف تمويل المحكمة الدولية، حيث يرمي صنّارة لـ”المستقبل” لكي يصطاد قبولاً بتكليفه تأليف الحكومة، لكنّ كلّ ذلك إلى الآن لم يؤتِ بنتيجة، لأنّ “المستقبل” أبلغ الى سلام أن لا بديل منه، ولا تشكّل المقابلة التي أجرتها صحيفة “المستقبل” مع سلام أمس، التي أكّد فيها عدم الاعتذار، إلّا مؤشّراً على استمرار هذا الدعم، وعلى رفض تولّي ميقاتي تأليف الحكومة.
أمّا بالنسبة الى برّي، فهو يريد أن يحصل التلزيم في ملف النفط كاملاً ويشمل المربّعات العشرة، خصوصاً المربّعات 8 و9 و10 في المنطقة اللبنانية التي لم تثبت ملكيّتها للبنان بموجب القانون الدولي. هذا التلزيم قبل إثبات الملكية القانونية يحوّل هذه المنشآت “مزارع شبعا جديدة”، كما يريد “حزب الله”، ذلك لإضافة مزيد من الذرائع لتمسّكه بالسلاح.
السيناريو يتكرَّر في موضوع النفط، فبدلاً من أن تصحّح الحكومة الخطأ في الاتفاقية مع قبرص التي وضعت مسوّدتها (حين كان الوزير محمد فنيش وزيراً للطاقة)، هذا الخطأ الذي أخَّر إثبات حق لبنان في امتلاك 860 كلم مربّع بحري، نتيجة عدم رسم الحدود بنحو صحيح، وهذا كان ممكناً من خلال تقديم شكوى الى محكمة هامبورغ، أو الطلب الى قوّات “اليونيفيل” رسم الخط البحري بين لبنان وإسرائيل، تقاعست الحكومة التي لـ”حزب الله” وحلفائه فيها الأكثرية عن القيام بأيّ من الخطوتين، وهذا ما لا يمكن إبعاده عن الشبهات، لأنه في جوهره يشبه التقاعس عن طلب ترسيم الحدود في شبعا.
يريد برّي تلزيم التنقيب في المربّعات 8 و9 و10 التي تقع كلّها في مساحة الـ 860 كلم، فيما الترسيم لم يحصل بعد، وفيما اسرائيل لم تدخل إلى هذه المنطقة في تلزيمات التنقيب الخاصة بها. أمّا باسيل، فيعارض هذا التلزيم، ويصرّ على البدء بالمربّعين 4 و5 الموجودين قبالة الشمال، لسبب وجيه، وهو أنّ التنقيب لا يفترض أن يحصل دفعة واحدة، لأنّ الشركات المنقّبة تشترط قبل البدء بالتنقيب والتأكّد من حجم المخزون، نسبة أرباح عالية.
وبالتالي سيكون من الأفضل تلزيم المناطق على دفعات، لكي تخفّض الدولة للشركات نسبة أرباحها في المربّعات التي لم تلزّم، إذا ما تبيّن أنّ مخزون النفط كبير في التجارب الأولى للتلزيم.
في اللقاء الأخير بين برّي والرئيس فؤاد السنيورة، بدا رئيس المجلس مُصرّاً على عدم السماح لباسيل بالسير في التلزيمات على طريقته، وهذا يعني عدم عقد جلسة لمجلس الوزراء، وتأكيداً لهذا المنحى تحرَّك مياومو الكهرباء ضد باسيل، لكن بعد العودة من سويسرا، بدا برّي أقرب إلى رمي المشكلة عند ميقاتي، وعند السنيورة الذي لمّح إليه واصفاً إياه برئيس الكتلة النيابية الذي يضغط على ميقاتي لمنع عقد الجلسة.
الواضح أنّ تفاهمات في ملف النفط قد تغيَّرت، وأنّ “حزب الله” يضغط في اتّجاه رئيس المجلس لتسريع عقد جلسة للحكومة، لتعويمها من جهة، ولإرضاء عون من جهة ثانية.

