هل تحضر سوريا جنيف2 ؟

عندما أحال الرئيس الأميركي باراك أوباما قراره بتوجيه الضربة العسكرية إلى سوريا بالاحتكام إلى مجلس الشيوخ، راح المؤيّدون له يروّجون للنهج الذي تحدّث عنه منذ دخوله البيت الأبيض، عندما وعد بأنّ أميركا لن تتصرّف في الأزمات الدولية بدون التشاور والتنسيق مع حلفائها كما فعل في ليبيا.

تبعثر الحشد السياسي الدولي على وقع الاتفاق الروسي-الأميركي، وهو ما أذهل فرنسا التي كانت الشريك الأوروبي الوحيد المتحمّس للمشاركة العسكرية في الضربة التي حشد لها أوباما.

وتتحدّث مصادر ديبلوماسيّة رفيعة عن أنّ عدم تبنّي مجلس العموم البريطاني للضربة، إضافة الى وجود الأغلبية في الكونغرس ضدّها، قد دفعا الرئيس الأميركي الى مراجعة حساباته على قاعدة مبدأ العودة بأميركا والعالم الى ثنائية القطبين الروسي والأميركي.

وبناءً على ذلك تتبلور الرؤية الاستراتيجية الروسية على قاعدة أنّ مركز القوّة الاقليمية العالمية ينتقل تدريجياً إلى الشرق، وأنّ صعود القطب الصيني يأتي على حساب ضمور قوّة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ومن أجل دعم إمكانات بيجينغ بادرت موسكو الى مدّ أنبوب نفط عبر سيبيريا لتصدير النفط الى الصين، علماً أنّ هذه الصادرات لا تزيد على ستة في المئة من إجمالي واردات الصين.

وتؤكّد المصادر الديبلوماسيّة عينها أنّ موسكو نجحت بإقناع واشنطن بأنّ المطلب الاميركي سيتحقّق بالطرق السلمية، بعيداً عن السيناريو الليبي الذي أطاح بنظام معمّر القذافي.

وعلى قاعدة أنّ دمشق تمتلك مخزوناً كبيراً من السلاح الكيماوي يضاهي السلاح النووي الإسرائيلي، استطاعت موسكو عبر بوتين إحراز تقدّم إيجابي لإجراء حوار جديد بين الولايات المتحدة وروسيا، وقد قطع بوتين في هذا الإطار وعداً لأوباما بنقل هذه الترسانة الكيماوية الى السيطرة الدولية، وتكون روسيا عبر هذه التسوية أعادت تثبيت مرجعيتها الدولية كقوّة إقليمية عظمى بالتساوي مع الولايات المتحدة الأميركيّة، كما يكون الرئيس السوري قد استفاد من مَنحِه الفرصة لتحقيق مبتغاه كما يريد.

وفي حال عدم التزام الأسد بوعوده حسب ما نصّ الاتفاق الروسي – الأميركي قد يتدخّل مجلس الأمن لفرض عقوبات في إطار المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة، ولكن مع استحالة تمرير مثل هذا القرار، لأنّ روسيا المالكة لحقّ النقض “الفيتو” كالصين، لا توافقان البَتّة على التفسير الأميركي، يكون الأسد قد بات تحت مظلّة التحصين والأمان.

وعلى هذا الأساس تؤكّد المصادر الديبلوماسية عينها أنّ ثنائية القطبين ذاهبة باتّجاه اتفاق أميركي – روسي في مؤتمر جنيف يشمل الحلّ السوري الشامل في سوريا وليس فقط التركيز على السلاح الكيماوي.

وعلى هذا الأساس تحوّلت دمشق ونظامها إلى شريك صامت في ملف تنفيذ الاتّفاق الروسي-الأميركي حول إزالة أسلحته الكيماوية، وعلى الرغم من ذلك فإنّ الآمال ضئيلة في انعقاد مؤتمر “جنيف 2” في ظلّ انعدام التقارب الإيراني –الأميركي، إذ لا يمكن الوصول الى حلّ في سوريا من دون البت في الملف النووي – الايراني، فحتى لو حصل تقارب أو اتفاق إيراني-أميركي-روسي على مواجهة “القاعدة” في سوريا، لن توافق إيران على فكرة حصر تقرير مصير الشعب السوري بيدِه لاعتبارت باتت واضحة ومعروفة.

وتقول المصادر الديبلوماسيّة عينها إنّ سوريا ترى نفسها اليوم غير مرغمة على المشاركة في مؤتمر “جنيف 2” المقبل المفروض انعقاده على أنقاض “جنيف الأوّل” والذي تتلخّص نتائجه بتشكيل حكومة انتقالية، إذ إنّ النظام السوري اليوم أصبح بحكم الشريك الأساسي في بنود الاتفاق الروسي-الأميركي القاضي بإزالة الأسلحة الكيماوية.

وانطلاقاً من ذلك كلّه أصيبت المعارضة السورية بصدمة كبيرة، وهي تحاول في الوقت الحاضر بسط سلطة الحكومة المؤقّتة التي شُكّلت حديثًا في المناطق التي يسيطر عليها الثوّار، كما تكثّف التركيز على نقاط التفتيش الحدودية وفي المناطق المحرّرة وحقول النفط.

السابق
التسوية في الصومال
التالي
الأمن يعمّ الضاحية اليوم