تنطبق هذه المعادلة الفيزيائية على واقع القوى المتصارعة في لبنان ليس من ناحية العدد أو دينامية الأفكار الداخلية فقط وإنما بتداخل عوامل مساعدة خارجية عدة تعطي هذا الطرف أو ذاك جرعات منشّطة على حساب الآخر. فتبدو الصورة وكأنها قابلة للتغيير في لحظة تاريخية معينة إلا أنها تعود وتستقرّ في المكان عينه.
تكاد لا تمرّ محطة من محطات الاستحقاق الداخلية إلا وتستحضر القوى معدّاتها وأدواتها الخارجية في محاولة لكسر رتابة التعادل من دون الالتفات إلى حجم الخسائر السيادية إذا ما أرادت الاستمرار كشريك فاعل في هذا الوطن المسمى لبنان. غير أن حسابات هذه القوى تخضع لمعادلة أخرى وهي «إما أنا أو لا أحد» وتستمد شرعيتها من مقولة «الحاجات تُبيح المحظورات». فيصبح الوطن سلعة في سوق الأعمال الفردية والطائفية والعشائرية وحتى الحزبية. والأمثلة كثيرة لا بل أصبحت القاعدة ومصلحة الوطن الكبرى هي الشواذ. من الإمارة الطائفية إلى الإدارة الاقتصادية مسيرة طويلة للشراكة السياسية تتخللها لحظات انفراج هي عبارة عن هدنات موقتة بين المتحاربين تُستغل لإعادة تجميع القوى والتخطيط للانقضاض على الآخر. «الميثاق الوطني» و»وثيقة الاتفاق الوطني» و»اتفاق الدوحة» كلها تسميات لمسمى واحد هو العودة إلى نقطة التعادل.
الكذبة الكبرى التي ألّفناها وصدّقناها أن لبنان حاجة «ذات رسالة حضارية تتعايش فيه الطوائف والأديان». والحقيقة ان لبنان بالنسبة للخارج هو حاجة ليس للسبب الذي نطرحه نفسه. بل لبنان هو حاجة كمشعل لفتيل الحروب التي تشن على منطقتنا. ففيه تكمن التناقضات الطائفية والمذهبية. ومنه تنطلق المؤامرات على كيانات المنطقة. ومنه ينطلق «الدلالون» الاقتصاديون والسياسيون كعسس للدول الغربية. ولدينا أسماء لعشرات المنظمات التي تدار انطلاقاً من لبنان تحت ستار الخدمات الاجتماعية والانسانية وحتى التبشيرية وجميعها في خدمة مشاريع الاستدمار الخارجية.
كذبة «العيش المشترك» أو التعايش القسري وهو التعبير الأصح فرضتها العوامل الخارجية بعد أن عمل هذا الخارج على تفتيت بنية الانصهار الوطني وبنية الوحدة الاجتماعية الاقتصادية كمكوّن طبيعي للوطن.
فالوطن لا ينشأ من تعايش المجموعات المتناقضة بل هو الاساس والتناقض بين مجموعات معينة هو حالة مرضية عرضية فيه تزول بزوال مسبباتها.
نظرية «لا غالب ولا مغلوب» التي جاءت بعد أحداث 1958 كانت نتيجة لاتفاق القوى الخارجية على بقاء حالة ستاتيكو لبنانية مؤجلة لاستخدامها فيما بعد وقد غدت واضحة مفاعيل هذا التأجيل في بدايات الحرب الأهلية عام 1975 التي استمرّت حتى بدايات التسعينيات من القرن الماضي بحيث لم تضع هذه الحرب أوزارها إلا باتفاق الطائف تحت الرعاية الاميركية التي كانت على وشك إعلان انتصارها في الحرب الباردة.
ان المرض المستشري في الجسم الوطني اللبناني والذي يُعالج بمضادات حيوية غير مجدية يستلزم جراحة جذرية في نظامه السياسي والإداري وقيمه وأخلاقه الاجتماعية. وهو المرض الذي يحاول الغرب تعميمه وتسويقه من خلال النموذج «اللبناني» على دول الجوار والمنطقة كبضائع رائجة لتحقيق الرخاء والحرية موضّبة بعبوات «الربيع العربي» والاسلام المعتدل وصراع الحضارات ونهاية التاريخ.
أيها الناس: «ان حق الصراع هو حق التقدم» هذا ما قاله انطون سعاده الذي استشرف معضلات الأمة قبل حدوثها بزمن طويل.
هل نتساءل اليوم لماذا اغتيل انطون سعادة ذات ليل؟

