النار السورية على الأبواب

لم يكن اللبنانيون بحاجة لسقوط الصاروخين في أحياء الضاحية الجنوبية، ليدركوا أن النار السورية أصبحت على الأبواب، ولم تعد تنفع معها المسكنات، ولا الكلمات، ولا حتى الأمنيات!
من اشتباكات طرابلس المستمرة منذ أكثر من أسبوع، وسقوط عشرات الضحايا بين قتيل وجريح، إلى أجواء التوتر والاحتكاك في صيدا والتي تنذر بشر مستطير، إلى احتدام المعارك في مدينة «القصير» السورية، والتي يخوضها مقاتلو «حزب الله» وحدهم، بعد الإشكالات التي حصلت مع بعض ضباط جيش النظام، إلى خطاب السيد حسن نصر الله الذي اعتبر فيه معركة «القصير» بمثابة خط دفاع عن المقاومة في لبنان، إلى التصعيد السياسي المستمر، وتزايد حدة الاحتقان في الشارع، الذي يبدو وكأن الجميع فيه يرقصون على فوهة بركان!
وبدا واضحاً أن سياسة النأي بالنفس التي أطلق شعارها الرئيس نجيب ميقاتي، وأيدها الرئيس ميشال سليمان، تعرّضت لسلسلة من الاختراقات، رسمية أولاً، ثم سياسية وحزبية، ومن أطراف مشاركة في الحكومة.
من مواقف وزير الخارجية عدنان منصور في الاجتماعات العربية، والتي جرّت الويلات على الوضع الاقتصادي والسياحي، إلى الانقسامات الداخلية، التي دفعت بفريقي النظام والثورة من اللبنانيين، للمشاركة في القتال الدائر في سوريا، إلى مجاهرة «حزب الله» بحجم مشاركته الميدانية، خاصة في ريف حمص.
ومع تزايد انكشاف التورط اللبناني في الأزمة السورية، كانت المخاوف تتزايد وتكبر، تحسباً لتداعيات هذا التورط ، غير العاقل، على الوضع الداخلي الهش، والمهدّد أصلاً عند اندلاع أوّل شرارة خلافية جدّية!
* * *
وبانتظار نتائج التحقيقات الأوّلية لمعرفة مصدر الصواريخ، وتحديد الجهة التي تقف وراء هذه الرسالة النارية الخطيرة، لا بدّ من الاعتراف بأن التهديدات المتبادلة بين «حزب الله» والمعارضة السورية المسلحة، قد وصلت إلى خط الانفجار المدمر من جهة، كما أنها أفسحت المجال واسعاً لأي طرف ثالث يسعى ويُراهن على تفجير فتنة مذهبية، لا تُبقي ولا تذر، وتُغرق المناطق العربية والإسلامية في بحور من الدماء على مدى العقود المقبلة!
وإذا كان العنف الناري المفرط المستخدم من النظام وحزب الله في «القصير»، والذي وصل إلى حدّ تهديم البيوت على رؤوس ساكنيها، بهذا القصف الجوي والبري المدمر، هو أمر مُدان ومستنكر، فكذلك هو الأمر بالنسبة لإطلاق الصاروخين عشوائياً على الأحياء المدنية الآمنة في الضاحية الجنوبية، فهو تصرّف مُدان ومستنكر أيضاً، على قاعدة أنه لا يجوز الرد على أخطاء النظام السوري وحزب الله في «القصير»، بأخطاء مثلها، إذا لم تكن أشد خطورة منها.
ولكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في عمليات الإدانة والاستنكار هنا وهناك، بقدر ما هي تتعلق بتطور مسار المعارك، والأحقاد التي تخلفها في نفوس الجماعات والعائلات، وأهالي الضحايا ومناصريهم خاصة.
ماذا ننتظر من رجل فقد عائلته ومنزله في قصف «القصير»؟
وكيف نعالج غضب ونقمة أهالي مقاتلي «حزب الله» الذين سقطوا في معارك «القصير» وغيرها من المناطق السورية؟
وهل ثمة مجال بعد، لحماية الجبهة الداخلية، المتصدعة أصلاً، من أخطار امتداد الحريق السوري إليها؟
ماذا يمنع دخول مخابرات العدو الإسرائيلي، المتربص بقيادة «حزب الله» ومقاتليه، على خط تفجير هذا الخلاف المحتدم بين الحزب والمعارضة السورية؟
* * *
تساؤلات، ومثلها كثير ستبقى إلى حين، بلا أجوبة شافية، بانتظار جلاء غبار المعركة الحاسمة في «القصير»، من دون أن يعني ذلك، بأن ثمة ضمانات تحول دون امتداد النار السورية إلى الداخل اللبناني، ومنع تنقلها بين مختلف المناطق، ولا تبقى حصراً على الضاحية، التي كانت العنوان الأوّل لمرحلة تنذر بانفجار جديد، إذا لم يسارع أهل الحكمة والعقل، من كل الأطراف، إلى لملمة الوضع، ونزع فتيل التفجير، قبل أن تلتهم نيران الفتنة الجميع.  

السابق
زياد الرحباني… والكنيسة
التالي
ما بعد القصير