كلام الأسد والرسائل المتعدّدة

كلما تحدّث الرئيس بشار الأسد عن مسار الأزمة في سورية منذ بدايتها وحتى اليوم، يكثر المحللون السياسيون والنفسيون والإعلاميون في توصيف مضمون كلامه، خصوصاً من جانب وسائل الإعلام الشريكة في سفك دماء الشعب السوري، والبناء على ملامح وجهه أو حركات يديه أو ما شابه ذلك، لكي يبنوا في تحليلاتهم هذه على تلك الملامح والحركات، وصولاً إلى تقويم أي خطاب أو مقابلة تلفزيونية للرئيس الأسد انطلاقاً من هذه المعطيات، متناسين أن الرئيس السوري، ومن خلال الذين يعرفونه عن قرب، يتمتع بميزة الشخصية المحاورة الهادئة والموضوعية والمتوازنة والمتماسكة باستمرار مهما كانت قساوة الظروف التي تمرّ بها سورية منذ حوالى السنتين وحتى اليوم، وعليه فإن كل التحليلات النفسية والانطباعات التي تُرسم من خلال شخصية الرئيس الأسد تهدف إلى إيحاءات معينة ومشبوهة، وتأتي في سياق الحملة والحرب الكونية على سورية على المستويات والصعد كافة.
ففي المقابلة التلفزيونية للرئيس الأسد مع قناة الإخبارية السورية، وجّه مجموعة من الرسائل إلى الداخل السوري وإلى الخارج، العنوان الداخلي العريض جاء تحت شعار مقاومة الاستعمار القديم والجديد، وأن سورية تتعرّض في هذه المرحلة إلى مؤامرة حقيقية، خصوصاً وأن شريحة من الشعب السوري لم تكن مقتنعة في بداية الأحداث بوجود مثل هذه المؤامرة، ولكن هذا الواقع الذي رسمه الرئيس الأسد بات يشكل قناعة تامة لدى غالبية الشعب السوري، بعدما لمس ملامح هذه المؤامرة ونتائجها على أرض الواقع.
وتقول مصادر سياسية ودبلوماسية، إن الرئيس الأسد تحدّث بصيغة ولغة الواثق جداً بنفسه وبشعبه وبالقوات السورية، وقدرتها على تحقيق وإنجاز انتصارات كبيرة في وجه المؤامرة، مع التأكيد على ضرورة القضاء على الإرهاب، وأن الجيش السوري يعمل لتحقيق هذا الهدف، كما أكد الرئيس الأسد أن الشعب السوري لن يقع في فخ اللعبة الطائفية التي يروّجون لها من الخارج، وتحديداً من القوى والجهات والدول المتورّطة في الحرب على سورية.
وتضيف المصادر، أن الرسائل التي أراد الرئيس الأسد إيصالها إلى دول الجوار، اختصرها بالتركيز على تناول شخص رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان بعبارات قاسية جداً، محيّداً الجيش والشعب التركي عن حكومة أردوغان، مشيراً إلى عدم مصداقيته في حلّ قضية الأكراد في تركيا، كما أنه لن ينجح في استعمال الورقة الكردية في سورية، لأن أردوغان يمارس سياسة الدجل على الجميع لأسباب شخصية، في حين أن الرئيس الأسد تناول وطرح الموضوع الكردي بطريقة إيجابية، وهو صادق ومؤمن بما قاله على هذا الصعيد.
وترى المصادر بأن تركيز الرئيس الأسد على موقف الأردن من الوضع في سورية، ستكون له انعكاسات سلبية على الأردن أيضاً، وأن الحريق سيمتد إليه لأنه ينخرط بصورة واضحة في التآمر على سورية، من خلال عبور آلاف المسلحين من المجموعات الإرهابية بأسلحتهم وذخيرتهم من أراضيه إلى داخل الأراضي السورية، وهذا الكلام ليس سوريّاً فقط ومن خلال الاعترافات العلنية لقادة مجموعات إرهابية تم اعتقالهم، وكيف ذهبوا إلى عمّان واللقاءات التي جرت مع مسؤولين عن المخابرات الأميركية والأردنية والقطرية، وما هي التوجيهات التي تلقوها من أجل إنشاء تشكيلات عسكرية لمقاتلة الجيش والشعب السوري، وعلى الرغم من محاولة الأردن نفي ذلك، إلا أن الوثائق والمستندات وما نشرته وسائل إعلام أميركية عن تورط الأردن في الحرب على سورية عبر ممارسة الضغوط الأميركية والخليجية، فقد لقي كلام الرئيس الأسد صدى إيجابياً في الساحة الشعبية الأردنية، وجاءت تأكيدات لكلامه من قبل قيادات سياسية وحزبية أردنية، ولذلك وحرصاً على إبعاد شبح الانفجار الداخلي في الأردن، تمنّى الرئيس الأسد إعادة النظر في الأداء الأردني، وخصوصاً على صعيد أجهزة المخابرات المتعاونة مع الاستخبارات الأميركية بصورة علنية، ولا أحد يستطيع أن ينكر طبيعة هذه العلاقة بينهما، ليس على صعيد الملف السوري فقط، بل على مستوى دول المنطقة ككل.
وحاول الرئيس الأسد من خلال رسائله إلى الخارج أن يلفت نظر دول الغرب ومعها الولايات المتحدة الأميركية إلى خطورة الازدواجية في مواقفها على صعيد محاربة الإرهاب، فهذه الدول تحارب الإرهاب في أماكن محددة من العالم، ولكنها تدعمه في سورية، وإن هذه السياسة سترتد على أوروبا وأميركا وستعاني منها كما تعاني سورية ودول أخرى في المنطقة والعالم.
كما أن الرئيس الأسد نجح في كشف لعبة أميركية عنوانها إرهاب معتدل وإرهاب متطرّف، وهذا الأسلوب تلجأ إليه الإدارة الأميركية، عندما تنهزم وتُخفق في حروبها، وتبدأ بتسويق محاورة الإرهابيين تحت شعار وتسمية الاعتدال، حسب زعمهم.
وتختم المصادر السياسية والدبلوماسية، على أنه في ضوء توضيح الصورة على المستوى الداخلي والخارجي والعرض الموضوعي للأحداث والتطورات، كان ما هو لافت تأكيد وإصرار الرئيس بشار الأسد على أن لا خيار أمام الشعب السوري إلا النصر، والذي بات قريباً من خلال الصمود الرائع والجبار للشعب وللجيش السوري البطل الذي يسطّر كل يوم ملاحم البطولة في وجه الإرهاب الدولي، والذي سيترجم في نهاية المطاف عبر الحوار بين السوريين وبإرادتهم وليس بإرادة أو أجندة خارجية، كما يتوهّم المتآمرون على الدولة الوطنية السورية.

السابق
ميقاتي: الحكومة ستتشكّل قريباً
التالي
بيت ثقافي خارج الثنائي الشيعي