تتّجه الأنظار إلى عملية تأليف الحكومة العتيدة، ويلفّ الغموض مسارها وتوقيت ولادتها، وشكلها وحجمها، وأسماء المرشّحين للانضمام إلى صفوفها، فيما يكمن الحدث وتستعصي العقدة في مكان آخر يخبّئ كلمة السرّ ومفتاح الولوج إلى المرحلة المقبلة. حكومة أو لا حكومة، ليست هي المسألة الأساس ولا العقدة التي تحتاج إلى حلّ.
إنتخابات أو لا انتخابات، تلك هي المسألة المحورية التي يدور تأليف الحكومة في مدارها، وهي اللغز الذي يجرّ اللبنانيين الذين يتمّ إلهاؤهم منذ أشهر، بصِيَغ ومشاريع لقانون انتخاب، تُطرح وتُناقش هنا وهناك بلا نتيجة عملية، ما وضعَ المهلَ الدستورية لإجراء الانتخابات في مهبّ التأجيل التقنيّ، وربّما تمهيداً للتمديد للمجلس النيابي الحالي، على رغم الرغبة الدولية والنصائح الدبلوماسية في احترام النظام الديمقراطي وإجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن.
ما هي المواقف الحقيقية للقوى السياسية الأساسية؟
فريق الثامن من آذار يطمح إلى سلّة تفاهمات كاملة مع فريق الرابع عشر من آذار على كلّ استحقاقات المرحلة المقبلة، بما يؤدّي إلى تخفيف التشنّجات السياسية والاحتقانات المذهبية، ويقلّص تداعيات النزاع الدمويّ السوري على الساحة اللبنانية. وهذه التفاهمات قد تبدأ بقانون انتخاب وتأليف حكومة، ثمّ إجراء الانتخابات وتأليف حكومة أخرى، وصولاً إلى انتخابات الرئاسة في العام المقبل.
كما يمكن أن تنطلق هذه التفاهمات من استمرار الخلاف على قانون انتخابيّ وتنظيم هذا الاختلاف، بما يؤدّي إلى تمديد للمجلس النيابي وتأليف حكومة سياسية جامعة في حدّ أدنى، بانتظار ما ستؤول إليه الحرب الأهلية في سوريا، والمفاوضات بين الولايات المتحدة والغرب وبين إيران.
أمّا فريق الرابع عشر من آذار الذي التقط أنفاسه باستقالة الرئيس نجيب ميقاتي وتكليف الرئيس تمّام سلام، فليس في وارد الدخول في تسويات لم يحِن أوانها بعد، وإن كانت الأجواء العامّة توافقية في الشكل.
ولو كان الزمن مؤاتياً للتسويات الشاملة لكان عاد الرئيس سعد الحريري إلى بيروت وتولّى قيادة فريق المعارضة السابقة إلى تثبيت دعائم التفاهمات والتسويات، بعدما تفشّت الحركات المتطرّفة في طول البلاد وعرضها وأصبحت قادرة على الرفض والتعطيل بقوّة الدين والسلاح.
وتجدر الإشارة إلى أنّ فريق الرابع عشر من آذار لم يُحسن قراءة المرحلة سياسيّاً وشعبيّاً، ولم يستفد من النقمة الشعبية العارمة على الحكومة قبل استقالتها، هذه الحكومة التي أعادت لبنان عشرين سنة إلى الوراء، وتسبّبت بزيادة فقر الفقراء وغنى الأثرياء، ونأت بنفسها عن تحوّل ظاهرة سرقة السيارات إلى خطف المواطنين، وانتشار السلاح والمسلّحين، وتهجير الاستثمارات وضرب السياحة، وغياب الخليجيّين عن لبنان، ووقفت تتفرّج على قصف المناطق الحدودية وتسلُّل المسلّحين بين لبنان وسوريا ذهاباً وإياباً.
فبدلاً من أن تنتهز 14 آذار هذه الفرصة النادرة وتركّز على الذهاب إلى الانتخابات موحَّدة ومتسلّحة ببرنامج يعيد بعض الأمل المفقود إلى اللبنانيين، وتعود إلى السلطة بفوز كبير، استُدرِج بعض مكوّناتها إلى فخّ المشروع الأرثوذكسي، والغرق في البحث عن قانون انتخابيّ جديد، وفوَّتَ الفرصة على نفسه.
إنتخابات أو لا انتخابات، قليلون يملكون كلمة السرّ.

