يبذل رئيس الحكومة المكلف تمام سلام، عبر الكلمة الهادئة والموزونة جهداً من خلال استشاراته وطلاّته الإعلامية، من أجل الابقاء على مسافة واحدة من كل الأطراف السياسية، ويخرج من الاصطفافات القائمة ما بين فريقي 8 و14 آذار والوسطيين، ليعيد التوازن إلى الحياة السياسية عبر استعادة مسلّمات وطنية ودستورية ورؤية تحفظ لبنان وأمنه واستقراره وعيشه المشترك، فهو حتى هذه اللحظة يتحدث بالخطوط العريضة ويرفض الخوض في "شيطان" التفاصيل، مفضلاً إعطاء "pass" هنا وهناك براحة كبيرة، من دون الدخول بالمماحكات أو التخلي عن أفكار وثوابت عرفها اللبنانيون في أهل دارة المصيطبة وخبروها في محطات الأيام الصعبة للبنان.
بعيداً من مشاعر الكيدية، يتمنى سلام ان تنعكس الأجواء التفاؤلية وإجماع التكليف على أجواء الاستشارات التي يجريها من أجل البناء عليها والخروج بحكومة من غير المرشحين للانتخابات النيابية، حكومة مصلحة وطنية، مصغرة أولوياتها إجراء الانتخابات وفق قانون جديد وضبط الوضع الأمني والشأن الاقتصادي.
وسط هذا الطرح العام ومن دون تعهدات لأي فريق ينطلق سلام آملاً في تشكيل سريع للحكومة، لا يغفل سلام تحديد مواقف واضحة وهي رسائل لأصحاب الشأن مثل تركيزه على "إعلان بعبدا" وتشديده على ضرورة حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة مع تأكيد شرعية المقاومة ضد إسرائيل، ووضع حد لاستخدام السلاح في الداخل، من دون أن يلزم نفسه أو الآخرين بمعادلات جاهزة، بل يترك المجال لحركة المشاورات التي ستنتج دينامية معينة تبين الخيط الأسود من الخيط الأبيض.
ولعل السؤال الأكثر اثارة للجدل هو هل ستكون صيغة "الشعب والجيش والمقاومة" التي ظهرت في بيانات الحكومات السابقة، ما بعد العام 2005 قائمة، أو أن تطورات الأحداث قضت على هذه الصيغة بعد تحويل سلاح "المقاومة" إلى الداخل ومن ثم إلى القتال في سوريا، وطالما أن بديل هذه الصيغة جاهز ومتفق عليه في إعلان بعبدا والذي أيدته الدول العربية والأوروبية، والذي دعا الرئيس سعد الحريري إلى اضافته في مقدمة الدستور ليصبح جزءاً منها ما يسهل تشكيل أي حكومة وينهي الخلاف على الاستراتيجية الدفاعية، وينهي أسطورة السلاح "الفالت" خارج الدولة لدعم حياد لبنان والحفاظ على أرضه وشعبه ومؤسساته، من خلال الجيش اللبناني والقوى الأمنية المعنية في الدفاع عن أمن الحدود والداخل؟
يترك "تيار المستقبل" للرئيس المكلف حرية الخيارات ويفضل عدم الضغط عليه لتتوضح الصورة في الاستشارات التي سيجريها ومعرفة مدى تجاوب "حزب الله" مع الحلول التي تطرح لمعالجة مشكلة سلاحه الذي اختبأ وراء شعار "ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة" ليفرض هيمنته بالقوة على القرار السياسي والأمني للبنان ويرهنه للخارج الإيراني والسوري.
ويقول النائب في كتلة "المستقبل" عمار حوري: "ننتظر نهاية الاستشارات لكي يقدم لنا الرئيس سلام تصوراً معيناً، وهو أعلن بشكل واضح التزامه إعلان بعبدا ومسؤولية الدولة في الدفاع عن لبنان".
ويشدد على ان "إعلان بعبدا" يغطي كل الأمور التي كان يجري الصراع حولها وهو ينهي الخلاف القائم بين فريقي 8 و14 آذار، فهو حدد استراتيجية واضحة وافق المتحاورون عليها أهمها الاحتكام إلى المؤسسات الشرعية ودعم الجيش لفرض سلطة الدولة والأمن والاستقرار والتمسك بالطائف وتحييد لبنان عن سياسة المحاور والتزام قرارات الشرعية الدولية والإجماع العربي إلى ما هنالك من قرارات تعيد للبنانيين وحدتهم".
ويرى في كل المواقف التي أعلنها سلام منذ لحظة تكليفه طروحاً جيدة من أجل البناء عليها، مشدداً على أن "المستقبل" يرفض العودة إلى الصيغة الثلاثية وهذه الوجهة ستبلغها له، ونحن سننتظر أيضاً طروح الطرف الآخر في هذا المجال ليبنى على الشيء مقتضاه".
ويجد ان "معادلة الجيش والشعب والمقاومة لم تعد صالحة حالياً، فعندما حصلت كان سلاح المقاومة موجهاً ضد العدو الإسرائيلي، وكان سلاحه يحظى بإجماع اللبنانيين، ومنذ أن تحول هذا السلاح إلى الداخل خسر مصداقيته ولم يعد يحظى بالإجماع، ويوم 7 أيار 2008 وحالات أخرى مشابهة خير دليل على ذلك".
ويؤكد أن "ترجمة شعار حصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة يأتي من خلال ترجمة الاتفاق على إعلان بعبدا".
ولا يجد السياسي الياس الزغبي، من إمكانية لبقاء صيغة "الجيش والشعب والمقاومة" في أي بيان وزاري لأي حكومة مقبلة"، ويقول: "أن سقوط حكومة "حزب الله" التي استمرت سنتين، أسقطت معها أموراً عدة لا يمكن العودة إليها وهي، "الثلث المعطل" وثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة" وحصول فريق سياسي واحد على ثلث المقاعد الوزارية، مثلما فعل النائب ميشال عون. هذه ثلاثة أمور لا يمكن مطلقاً أن تسري على أي حكومة ستشكل منذ الآن فصاعداً، سواء حكومة الرئيس تمام سلام أو غيرها بعد الانتخابات النيابية، لذلك فإن "حزب الله" ومن معه من المتشبثين بهذه الصيغة يريدون فقط تعطيل تشكيل الحكومة، وهم يكشفون عن نيتهم، وأشبه هذا الأمر بالشعار الذي أطلقوه أثناء حكومة الرئيس سعد الحريري وهو "شهود الزور" وبعد استيلائهم على السلطة، ذهب ملف "شهود الزور" أدراج الرياح وتبين أنه مجرد خدعة وكذبة، واليوم يستخدمون هذا الشعار لنسف كل الجهود الآيلة لتشكيل الحكومة لأنهم يدركون أن لبنان لم يعد في هذا الوارد فلا المقاومة مقاومة ولا الشعب اللبناني يؤيد المقاومة وفق مفهومهم ولا الجيش اللبناني في وارد إعطاء دوره لما يسمى "المقاومة"، "المقاومة" تحولت من مقاومة إسرائيل إلى مقاومة الشعب السوري، وقبل ذلك إلى مقاومة الشعب اللبناني، فلم يعد يصح أن تدرج الشعب ضمن هذه الثلاثية، لأن الشعب اللبناني في غير وارد، وحدها ما يسمى بالمقاومة اتخذت طريقاً يؤدي إلى تدمير لبنان".
ويؤكد أن "إعلان بعبدا" هو البديل، وهو إعلان عاقل حكيم مدروس يتجاوب كلياً مع طموحات اللبنانيين وإرادتهم، ويجب اعتماده بدلاً من هذه الثلاثية البدعة القاتلة والمدمرة، ولا بد أن يكون البيان الوزاري للحكومة المقبلة مرجعيته هي هذا الإعلان روحاً ونصاً".
ويشير إلى أن الرئيس سلام يقول وإن بشكل غير واضح أن تفرد "حزب الله" بالمقاومة ضد إسرائيل لم يعد وارداً، لكنه يقصد هذا حين يقول قرار الحرب والسلم بيد الدولة اللبنانية، أي كأنه يقول بشكل واضح يجب إدراج "حزب الله" في كنف الدولة وقرار وجهة سلاحه هو قرار الدولة لا قرار "حزب الله".

