معركة دمشق… أم بيروت؟

"أصدقاء سوريا" محوران، الأوّل مع المعارضة بأطيافها، والثاني مع المعارضة المعتدلة. الأوّل مع السلاح بأنواعه كافة، والثاني مع السلاح "غير الفتّاك". مؤتمر روما قسّم المعارضة بين معتدلة ومتطرّفة، و"قسّم" السلاح، وصنّفه بين فتّاك وغير فتّاك. ما ماهيّة السلاح؟ وكيف يكون غير فتّاك؟

الجواب عند وزير الخارجيّة الأميركي جون كيري الذي مرّ بمؤتمر روما وزرع الإسفين، فحصل الانشقاق: فريق مع الاستمرار في القتال حتى إسقاط النظام، وآخر مع تقنين السلاح ودعم الجهود لتغليب لغة الحوار.

دول "أصدقاء سوريا" أمام خيارات صعبة، البعض يستسلم للمشيئة الأميركيّة حرصاً على مصالحه الذاتيّة، والبعض الآخر يشعر بأنّ التوافق الروسي – الأميركي قد تجاوزه، وأنّ التسوية على قاب قوسين، أو أدنى، وأنّ ما قدّمه من دعم ماليّ ومعنوي وديبلوماسي لإسقاط النظام قد يذهب هباءً. جاء كيري إلى مؤتمر روما ليُخرج دولاً وجهات من المعادلة، ويقصيها عن أيّ تسوية ممكنة في المستقبل، وعندما عاد الى واشنطن إثر جولته في المنطقة، قال الكلام الفصل: "نحن والروس على موجة واحدة. على المعارضة أن تجلس إلى طاولة الحوار مع ممثلين عن النظام، للتفاهم على التسوية".

كلامٌ بدّل الكثير من التوازنات. إنقسم "أصدقاء سوريا" بين مؤيّد ومتحفّظ. انقسم الاتحاد الأوروبي بين من يريد تسليح المعارضة ومن يريد استمرار قرار الحظر. انقسم العرب بين ممتثل للرغبة الأميركيّة، وبين من يسأل عن "التعويض" و"المقابل" الذي لا بدّ منه بعد كلّ تلك التضحيات التي قُدِّمت من دون حساب. إنّه "الإعصار الجديد" الذي لا بدّ من أن يمرّ، ولكن من دون معرفة حجم الأضرار والكوارث.

الدول المتضرّرة تبحث عن الدور في المرحلة المقبلة، تفتش عن الثمن، ترفض الخروج من الملعب من دون تحقيق أيّ هدف لأنّ تلاقي المصالح الروسيّة – الأميركيّة يقضي بذلك.

المعارضة بدورها تفتش عن موقع قدَم، تطالب "بحصر الإرث" لمعرفة ما لديها، وماذا حقّقت من مكاسب، وعلى أيّ شيء تفاوض عندما تجلس إلى طاولة الحوار؟ وما هي المكتسبات والأوراق الرابحة لديها، ثمّ مَن يستحقّ من بين مكوّناتها الجلوس إلى الطاولة، ومن لا يستحق ويرى نفسه أنّه سيكون المتضرّر من أيّ تسوية، وبالتالي تقضي مصالحه الاستمرار في القتال؟

ذهبت المعارضة الى إسطنبول في محاولة لرأب الصدع، لتؤكّد أنّها موحّدة وليس في صفوفها معتدل ومتطرّف، بل وحدة متكاملة لتحقيق أهداف واضحة. هدفها تشكيل حكومة، أو هيئة تنفيذيّة تحتلّ مقعد سوريا في الجامعة العربيّة، وأيضاً في القمّة التي تستضيفها الدوحة الأسبوع المقبل. هل تنجح؟ إنّها أمام إمتحان.

والنظام ليس بأفضل أحواله، يريد الوصول إلى طاولة الحوار ومعه أوراق تفاوضيّة رابحة. لم يعُد في الموقع الذي يسمح له بإملاء الشروط، ولا الأخذ بدفّة الحوار في الاتجاه الذي يريد، بعدما خسر الكثير من النفوذ والمواقع باعتراف أصدقائه وحلفائه، ولذلك يحاول الإفادة من الفرص المؤاتية وهي لم تعد بكثيرة لرسملة رصيده عن طريق "الدفرسوار" اللبناني.

يحاول نقل الصراع، هدّد وتوعّد، وباشر بشنّ الغارات، والقصف المدفعي لمناطق لبنانيّة، مخطّطه واضح: "لتكن المعركة في بيروت لا في دمشق"، أو "معركة بيروت قبل معركة دمشق"، ثمّ "إستفزاز الدول الكبرى تمهيداً لابتزازها، وفرنسا في الطليعة"، وهو مطمئنّ وواثق من أنّ حكومة نجيب ميقاتي لن تتجرّأ على دعوة مجلس الأمن الى الانعقاد لحماية السيادة الوطنيّة لأنّ لـ"حزب الله" حساباته الداخليّة – الإقليميّة في هذا الظرف الحسّاس، وكذلك إيران.

ومطمئن أكثر من أنّ فريقاً من دول "أصدقاء سوريا" الذي رفض التمييز بين معارضة معتدلة وأخرى متطرّفة، يسعى إلى تفجير الساحة من الداخل، وتحويلها إلى صندوقة بريد سريع لإيصال رسائله إلى الجهات الدوليّة، ومواقع النفوذ في الوقت الملائم، وخصوصاً إلى المحور الذي يراهن على الحوار أكثر من رهانه على الحسم العسكري.

ردود الفعل الأميركيّة – الفرنسيّة على الانتهاكات السوريّة للسيادة اللبنانية، اقتصرت حتى الآن على الكلام، فيما المطلوب خطوات عملانيّة، وهذه غير متوافرة، ولكنّها متوقّعة، كأن تبادر فرنسا، أو دولة أخرى، بطلب دعوة مجلس الأمن إلى الانعقاد لوضع يده واتّخاذ القرار الرادع، أو دعوة دول "أصدقاء سوريا" إلى اجتماع طارئ، لإصلاح الخلل الذي انتهى اليه مؤتمر روما، والتفكير بتدخّلٍ ما يضعُ الأزمة في سوريا إمّا على سكّة الحوار، أو على سكّة الحسم انطلاقاً من دمشق؟!

السابق
في الذكرى العاشرة للغزو الامريكي..العراق غارق في الانفجارات
التالي
الاحتفال باليوم العالمي للسعادة