شعب سوريا

يفعل بشّار الأسد بالسوريين ما كان مقدّراً أن يفعله معمّر القذافي بالليبيين لو أمكنه ذلك، ولو لم توقفه عند حدّه طائرات التحالف الدولي والعربي التي تصدّت لقواته عند أبواب بنغازي ثم في كل خارطة المواجهة الليبية.
مصير القذافي الأسود كان من حظّ الليبيين الأبيض. لكن السوريين ليسوا على ذلك القدر من الحظ، وسوريا ليست على ذلك القدر من النفط والغاز. غير أن الأهم من ذلك، هو ان الثوار السوريين يقاتلون وفوقهم سماء مفتوحة، فيما طيران الأسد يعربد فيها وتحته أرض مقفلة. وهذه الحسبة تعني، ان طول المشوار واختلال الميزان الناري لا يغيران في النتيجة الأخيرة شيئاً. ما يتغير فقط هو عدد الضحايا الذين يسقطون كأوراق الشجر، وما عاد العالم يتوقف كثيراً عند موتهم، وكأن ذلك صار جزءاً من عادياته، ولا استثناء فيه!
لكن مرّة تلو مرّة، يدأب رأس السلطة السورية على تأكيد مصيره بيديه: من يفعل الذي يفعله، يعرف ماذا يفعل. يدمّر ويستشرس في الحاضر لأن المستقبل مقفل في وجهه. ولو كان احتمال البقاء وارداً عنده ولو بنسبة ضئيلة لما فعل ذلك.. اليأس في حالته وصل إلى درجة الامتلاء. وتلك "الحالة" عند الطغاة، الصغار والكبار والكليين والجزئيين، لا تؤدي إلاّ إلى العدم وطغيان الوهم. وذلك معناه الميداني المباشر: بلاد محروقة بكل ما فيها وعليها من حجر وبشر.. حتى لحظاته الأخيرة في خندقه المدعّم تحت الأرض، ظلّ هتلر يدرس الخرائط ويتوهم إبادة أعدائه من البلطيق إلى الأطلسي، فيما قوات الحلفاء تدكّ برلين وتدمّرها عن بكرة أبيها وأمّها.. وحتى لحظاته السلطوية الأخيرة داخل بغداد، ظلّ صدام حسين وأبواقه يتوعدون "العلوج" بالاندحار والانكسار عند أبواب عاصمة الرشيد، فيما حرسه الجمهوري النخبوي ينطّ فوق الأسوار ويغيّر ثيابه!
..لا جيش أحمر آتٍ من الشرق. ولا قوات أميركية آتية من الغرب وكل الجهات لدكّ الطاغية في معقله. ولا طائرات أطلسية تستعرض قدراتها وإمكاناتها وتقلب ميزان القوى على الأرض.. ولا حتى تسليحاً لائقاً يذكّر بصواريخ "ستينغر" التي أُعطيت للمجاهدين الأفغان (قبل أن يصيروا ويُصنّفوا كإرهابيين!)، ولا شركات معنية بالطاقة تقدّم مساهماتها ودراساتها لأصحاب القرار السياسي! لا شيء من ذلك كله في سوريا، ومع هذا يصمد شعبها على مدى سنتين ويتقدم باطّراد، فيما آلة القتل السلطوية تصدأ وتتراجع.
ومجدداً، لم تغيّر المجازر وطول المشوار واختلال الميزان الناري، ولن تغيّر، في النتيجة الأخيرة شيئاً. نظام فَقَدَ كل وظائفه الداخلية والخارجية، وما بقي لديه سوى سلطة الحديد والنار والقرار بالقتل.. في السياسة انتهى. وفي الجغرافيا تقلّص ويتقلّص أكثر فأكثر رغم كل شيء. وفوق كل ذلك، يريد أن يخترق الجبال التي في وجهه، بالوهم والمحارق!
من نَصَحه بتسعير التقتيل واعتماد الإبادة، يائس أكثر منه. لكن المصيبة ان ذلك اليأس المثلث الروسي الإيراني الأسدي، لا يدفع ثمنه إلا شعب سوريا. وحده في هذه الدنيا يموت… ووحده في هذه الدنيا سينتصر.

السابق
رفض منحها إجازة فانجبت في المكتب
التالي
شاكر:لا أخشى اغتيالي