جمعاويات

شفافيات
كلما تنفس صبح وأشرقت شمس وبرز كوكب وأفل نجم وحلت نفس ورحلت روح, وكلما امتد ظل وانحسر وظهر قمر واندثر, كلما زاد العمر أو قصر أو ربح الإنسان أو خسر وكلما دارت كواكب الكون في أفلاكها وانفلقت من مشارقها وانغمرت في مغاربها.
وكلما ارتفع مد وانحسر وتغيرت مواقع كواكب في ظهر وعصر ومغرب وفجر كلما ازداد سعي البشر وتهافتوا على التهام كل شيء حولهم, وحيازة كل ما على البسيطة في حوزتهم ,وكأن كل ما على الأرض ينفد وينتهي لولم يجعلوه في حجورهم ويخبؤوه في جحورهم, وكأن الله لم يقل للبشر ويخبرهم بزوال ما جمعوا "ما عندكم ينفد وما عند الله باق", وليحملن الإنسان أوزاره وأوزارا مع أوزاره وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يعملون.
لا تثقل ظهرك بالأحمال من جاه كانت أو من كنوز ومال ,فقد تحتاج يوما الى أن تقف فلا تستطيع,وأن تركض فلا تقدر. من عاش بالأحمال مات بالأحمال حتى وإن ذهب الجاه وذهب المال ,فهناك بعد الممات عن كل هذا حساب وسؤال.
من عاش وفوق ظهره من الملك والعظمة والسلطان جبال, صعب على روحه الفراق .كيف تنتزع روحه من كل هذه القيود وما تعلقت بها من آمال.
إن عشت متخففا من أعباء الحياة ومن كثرة الخدم والحشم والسلطان والاتباع وجدت راحة في مغادرتك الحياة.
قيل لزاهد : قد احترق بيتك فضحك! فقالوا له لم تضحك وقد أكلت النار دارك, قال ليس فيها غير الحطب الذي كنت أشعله للطبخ ,فليس في بيتي فراش ولا أثاث فعلى أي شيء أندم!
العمل في الحياة إنما هو بهدف إعمار الحياة فلا تنظر إلى ما جمعت وما خبرت وما حققت فليس الهدف التكاثر , فهو ملهاة ليس فيها غير خذ وهات وألم وآهات إن لم تتجرد من حب الملذات والذات. وقد نهينا عنه في "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر" تكاثر العرب في ما عندهم كما قلنا من زمان حتى ذهبو إلى المقابر يزورون القبور من أجل المباهات والفخر والتعالي, فيقولن هذا قبر فلان وهو منا وكان وكان وهكذا, والهاهم التكاثر حتى زارو المقابر وانقضت أعمارهم وفنت ولم يدركوا فيها حتى حكمة وجودهم.فخير ما يجمع الناس ويسعون ويتكاثرون في عمل يدخر ليوم المعاد.  

السابق
الأفعى والسلّم!
التالي
الإخوان وهيفاء وهبي والمثقف الفيروزي