حرب وجود لا حرب

على الرغم من الأفق الضبابية التي تلوح في سماء سورية والمنطقة، إلا أن الآمال انتعشت من جديد في إيجاد تسوية للأزمة السورية، بعد فوز الرئيس الأميركي باراك أوباما بولاية ثانية، وفي حال عدم نجاح التسوية لا يمكن لأحد أن يضمن الأوضاع السائدة وتداعياتها في المنطقة، لأنها بالتأكيد لن تبقى محصورة في محيط كيانات بلاد الشام فحسب، وإنما ستصل إلى تركيا وبلاد نجد والحجاز وقطر والبحرين والكويت في الخليج العربي وغيرها من دول المنطقة.
ولفهم ما يحصل اليوم في سورية لابد من معرفة الجذور الحقيقية لهذه الأحداث وأسبابها، كما لا بد من أن نعرف أسباب انعقاد مؤتمر كامبل بنرمان عام 1905 في لندن وما دار فيه إذ دام انعقاده عامين كاملين. أي استمر عمله حتى عام 1907 وصدرت عنه مواقف، لا نزال نعيش تبعاتها حتى اليوم.
لقد عمل المؤتمر على تصنيف العالم إلى ثلاث فئات فهناك دول تحتل المرتبة الأولى حسب تقييمهم، وهي دول أوروبا وأميركا الشمالية واستراليا، وهذه الدول يجب أن تصل إلى أعلى مستويات التقدم العلمي والتكنولوجي.
وهناك دول الفئة الثانية وهي دول لا تصادم حضاري معها كدول أميركا الجنوبية واليابان وكوبا وغيرها الواجب احتواؤها ولكن بالقدر الذي لا تشكل تهديداً لتقدمها.
أما الفئة الثالثة فهي الدول العربية والإسلامية التي يوجد بينها تصادم حضاري وتشكل تهديداً لتفوقها لاسيما بعد انتشار حركات التنوير العربية آنذاك في مصر وبلاد الشام ما دفع العالم المتقدم إلى العمل على حرمانها لا بل منع التقدم العلمي والمعرفي عنها والعمل على تقسيمها وتفتيتها.
إلا أنه لا بد من معرفة أن مؤتمر كامبل بنرمان لم يأت من الفراغ وإنما هو امتداد لسياسات سابقة للأوروبيين الذين اتفقت مصالحهم مع مصالح السلطنة العثمانية آنذاك على ضرورة إجراء تغيير ديمغرافي في المنطقة في شمال شرقي سورية التي أصبحت فيما بعد تسمى جنوب شرق تركيا، أي منطقة ديار بكر وماردين والرها ونصيبين وطور عابدين واربو وقلعة مرا ومذيات وازخ وغيرها من المدن والقرى السورية التي تبلغ مساحتها 176 ألف كم مربع هذا عدا عن لواء اسكندرون الذي معه تصبح المساحة المسلوبة من الأراضي السورية 181 ألف كم مربع .
فكان لأجل تحقيق الأهداف لابد من تنفيد تغيير الديمغرافي له أدواته، وكانت أولى مجازره عام 1895 في ديار بكر وتوابعها وراح ضحيتها 118 ألف نسمة من السوريين السريان وبهذا الشكل بلغ عدد السريان الذين ذبحوا قبل أن تحصل المجازر التي سميت بالمذابح الأرمنية مئات الآلاف، كما ذبح أيضاً من الطوائف المسيحية الأخرى، وبلغت ذروة المجازر عام 1915 إذ راح ضحيتها حسب بعض المصادر أكثر من مليون ومئتي ألف أرمني.
إن الاتفاق الأوروبي مع السلطنة العثمانية أدى بحسب اتفاق سيفر 1920 إلى قضم الجزء العلوي من الأراضي السورية بما فيها ديار بكر والرها وكليكيا، وعندما اعترضت اليونان وأرادت استرجاع المزيد من أراضيها عمل الأوروبيون على تنفيذ رغبتها فأخذت ما تريد وبالاتفاق مع السلطنة العثمانية التي استولت على أراض جديدة من سورية وذلك بموجب اتفاق لوزان 1923 الذي اعتبر خط سكة القطار الحدود الفاصلة بين تركيا وسورية، وبهذا الشكل ذهبت ماردين وتوابعها ونصيبين والرها وغيرها من المدن والقرى السورية ووضع لواء اسكندرون تحت الإدارة المحلية حتى تم سلخه عام 1937 بشكل نهائي.
وإذا أمعنا النظر وبعين المراقب نجد أن ما يحصل اليوم ليس إلا امتداداً لتلك المخططات والمشاريع وتطبيقاً لقرارات كامبل بنرمان فكانت أول مشاريعه وعد بلفور واتفاق سايكس بيكو والقرار 181 الذي ينص ّعلى إقامة دولتين يهودية وعربية على أرض فلسطين حتى جاءت النكبة 1948 وصولاً إلى العدوان الثلاثي على مصر العربية 1956، حيث خرجت منه مصر شامخة الرأس وكان البطل الشهيد جول جمال من فجر سفينة جان دارك المهاجمة وبعدها كانت النكسة 1967 وخسرت فلسطين الضفة الغربية والقدس بالإضافة إلى أراض من الجولان السورية، وفي حرب تشرين استعادت سورية مدينة القنيطرة، وأعيدت سيناء عبر المفاوضات.
وبهذا المرور السريع للمراحل التاريخية، يتوضح لنا أن الغرب يخطط لمئات السنين، لذلك كانت كل القرارات التي صدرت عبر الزمن التي تصدّر حالياً تشكل خدمة للمصالح الغربية والأميركية، العاملة دائماً وأبداً على إضعاف العرب وترسيخ التبعية وحماية كيان العدو، إضافة إلى أن أغلب الأنظمة العربية الملكية منها والجمهورية، سيطر عليها حكام في غالبهم، كانوا سنداً مساعداً للغرب والأميركان في إيجاد أرضية خصبة لتحقيق أهدافهم.
وحين انطلق الشعب العربي مطالباً بالحرية والديمقراطية والكرامة، استغل الأميركان والأوروبيون هذه الظروف القاسية التي عانى منها المواطن العربي وعملوا على تسخيرها لخدمة مصالحهم وتنفيذ مخططاتهم التي أعدت بالأصل وهي جاهزة وموجودة ضمن سيناريوهات تتحول بحسب المصلحة الغربية والأميركية التي أفلحت بالتحكم في الكثير من أطراف الصراع في الشارع العربي بالاتجاه الذي تريد، كما استطاعت استخدام المال العربي في إشعال المنطقة للاستمرار في عملية إضعافها حتى تصل إلى درجة التفتيت وأبعد من ذلك، لهذه الأسباب وغيرها مازال الدم يسيل في كل سورية ويتم تدمير مقدراتها العلمية والتكنولوجية والعسكرية من دون أن يدفع الغرب والأميركان أي خسارة مالية وعسكرية وبشرية، لا بل إن ما يحصل في بلادنا وبأموال عربية يحقق مخارج للإدارة الأميركية من الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والسياسية التي تعاني منها.
وفي سياق هذه الظروف كان لافتاً الصفقات التي عقدتها قطر والسعودية والإمارات لشراء أسلحة أميركية وبريطانية، ولكن السؤال الذي يطرح، ما هي الحروب الخارجية التي تخوضها هذه الممالك والمشيخات إن لم تكن لقمع حركات التحرر في الداخل؟
لايمكن للعرب المراهنة على السياسات الأميركية والأوروبية، لأنها منطلقة من جذور استراتيجية في العداء لهذه المنطقة ودولها، وقد بيّنا فيما سبق الجذر التاريخي لهذا العداء. فعلى شعوبنا الحذر والحيطة عبر توسيع معرفتهم بالتاريخ كسلاح هام وضروري في مواجهة ما يحاك ضد بلادنا، والمعركة في غالبها صراع وجود وليس دائما يكون الصراع من أجل الحدود.

السابق
لتوعية الرجال حول السرطان!
التالي
العريضي: لدولة آمنة وقضاء مستقل وعادل