وسط قلق بالغ وأسئلة بلا أجوبة، ودّع لبنان شهيده اللواء وسام الحسن رسمياً وعسكرياً وشعبياً، في تكريم وتشييع يليقان بالأبطال الذين يقدمون خدمات جليلة لأوطانهم وشعوبهم.
وأجمعت كلمات الرئيس ميشال سليمان والرئيس فؤاد السنيورة واللواء أشرف ريفي والمفتي مالك الشعّار، على الدور المناقبي الذي اضطلع به الشهيد في تأدية واجباته الوطنية والأمنية، والعمل لمصلحة جميع اللبنانيين، واستراح في مثواه الأخير إلى جانب الرئيس الشهيد رفيق الحريري في جوار مسجد محمد الأمين، مع المؤهل الأول الذي استشهد معه أحمد صهيوني.
إلا أن جريمة الاغتيال، توقيتاً وأهدافاً وملابسات فتحت البلاد على احتمالات مجهولة، وعلى آفاق مسدودة، وكأن "غيوماً سوداء" بدأت تتجمع فوق سماء لبنان
1- المحاولة غير المكتملة لاقتحام السراي الكبير في اللحظة التي كان فيها جثمانا الشهيدين الحسن وصهيوني يواريان الثرى بعد الصلاة عليهما في مسجد الأمين، إذ اندفعت جموع من المشيّعين باتجاه السراي لتخترق حاجز الحماية الأول وتقترب أمتاراً من الباحة وتشتبك مع الحامية هناك، وسط مشهد كان يبدو مخيفاً بعد إطلاق الرصاص في الهواء والقنابل المسيلة للدموع، لولا المبادرة السريعة لرئيس تيار "المستقبل" الرئيس سعد الحريري والتي طالب فيها مناصريه بالابتعاد عن السراي ووضع حرس "بيت الوسط" بتصرف حرس السراي، وتبعه بعد ذلك بدقائق الرئيس فؤاد السنيورة ببيان لاحظ فيه أن ما جرى غير مقبول ولا يتوافق مع ما نحبذ من سلوك سياسي، وتباعاً أصدر رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية سمير جعجع موقفاً مشابهاً وحذا حذوه حزب الكتائب، فهدأت الساحة، وأنقذت السراي، وتجنبت البلاد خضة أمنية من نوع سقوط قتلى أو جرحى، لكن الاشتباك السياسي بقي قائماً
2- دفعت قوى المعارضة من وتيرة موقفها تصاعدياً، فهي بعد أن دعت إلى استقالة الرئيس نجيب ميقاتي فوراً، أعلنت بلسان الرئيس السنيورة، أن "لا كلام قبل رحيل الحكومة ولا حوار على دماء الشهداء، ونعم لحكومة إنقاذية محايدة". وفسّر كلام
السنيورة بأنه يعني مقاطعة جولة المشاورات التي بدأها الرئيس سليمان بلقاء مع الرئيس أمين الجميّل، لاستمزاج آراء هيئة الحوار في كيفية الخروج من المأزق، وهل يكون هذا الخروج باستقالة الحكومة قبل التفاهم على حكومة بديلة، أم بالعكس؟
3- ومما زاد الموقف حرجاً أن الرئيس ميقاتي، وبعد حادث السراي، بدا غير متمسك بالإستقالة، وقال في بيان صدر عن مكتبه الإعلامي "أن عدم إدراك ما يعنيه السراي الكبير من رمزية وطنية يحتم عليه بذل المزيد من الجهود لاخراج لبنان من هذه المحنة الكبيرة، وايجاد السبل لإعادة اللحمة بين ابناء الوطن، رافضاً التبريرات بنفي المعرفة المسبقة بالدعوة لاقتحام السراي الكبير.
وما لم يقله الرئيس ميقاتي صراحة، نسب الى احد وزرائه قوله انه "ممنوع عليه ان يخرج من الحكومة"، فيما اكد الوزير احمد كرامي ان "الرئيس لن يستقيل تحت الضغط".
4 – وتفيد معلومات "اللواء" ان قرار اسقاط الحكومة اتخذ في اجتماع قيادات 14 آذار الاخير ولا عودة عن هذا القرار، وانه ازاء "مكابرة" الرئيس ميقاتي- استنادا الى مصادر في 14 آذار- فإن حركة الشارع بدأت تقترب من عصيان مدني يشل البلاد، وربما يعطل الحياة العامة حتى اقدام رئيس الحكومة على الاستقالة.
وتستند الدعوة الى تنظيم العصيان المدني الى مواقف نهائية لقيادات 14 آذار، تحت سقف ان "مصلحة لبنان تكون بسقوط هذه الحكومة"، على حد تعبير الرئيس سعد الحريري.
5 – وتخشى مصادر امنية ان تدخل "عناصر ثالثة" على خط الازمة بالقنص او اشعال الاطارات او ترويع المواطنين الآمنين في منازلهم على خلفيات طائفية ومذهبية، خاصة في ضوء الانتشار المتنقل للمسلحين واطلاق النار وعمليات الترويع واطلاق النار، رغم الدعوات المتكررة لعودة المواطنين الى منازلهم، لان مواجهة 14 اذار مع الحكومة "سلمية وليست عنفية وتكفي فيها الوسائل الديموقراطية"، على قول الرئيس الحريري ايضاً
6 – إزاء هذا المشهد المضطرب، حيث بدا ان اللبنانيين يلعبون في هذه اللحظة بمصير استقرارهم، تكثفت حركة الاتصالات الدولية والاقليمية مع الاطراف اللبنانية، رسميين وغير رسميين، تحت عنوان واحد: "الدعوة الى ضبط النفس وحماية الاستقرار".
وفي هذا الاطار، كشف المتحدث باسم الخارجية الاميركية فيكتوريا نولاند ان وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون اتصلت بالرئيس ميقاتي هاتفياً امس لتؤكد له أدانة الولايات المتحدة لاغتيال اللواء الحسن، وان الاثنين اتفقا على ان تساعد واشنطن بالتحقيق بالجريمة التي وضعتها كلينتون "بالهجوم المنكر".
وقالت نولاند ان الوزيرة اكدت التزام الولايات المتحدة الراسخ باستقرار لبنان واستقلاله وسيادته وأمنه، مشيرة الى أهمية تعاون الزعماء السياسيين معاً في هذه المرحلة الحسّاسة لضمان أن يسود الهدوء، وأن يقدم المسؤولون عن الهجوم إلى العدالة".
واتصلت كلينتون معزّية بالرئيس الحريري الذي تلقى اتصالاً من ولي عهد قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مواسياً بوفاة اللواء الحسن، وأعرب له خلال الاتصال، حسب وكالة "قنا" القطرية، عن "تعازي ومواساة دولة قطر لضحايا الانفجار، مجدداً موقف قطر الثابت من رفضها وإدانتها الإرهاب أياً كان نوعه ومصدره".
وتلقى الرئيس الحريري أيضاً اتصالاً من وزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، اللذين قدما له التعازي باستشهاد الحسن.
وتناول البحث خلال هذه الاتصالات، بحسب المكتب الإعلامي للحريري، التطورات "التي يشهدها لبنان بعد جريمة الاغتيال المشؤومة، وقد شدّد الرئيس الحريري على أن الشعب اللبناني يقوم بتحرك مدني ديمقراطي سلمي لإسقاط حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، مؤكداً أن قوى 14 آذار ستبقى مقاطعة للحكومة حتى رحيلها لأنها بما هي، نتاج المحور السوري – الإيراني وتعمل لتحقيق مصالحه ونفوذه على حساب مصالح لبنان وشعبه وأمنه".
وكان الوزير الفرنسي فابيوس أجرى أمس مروحة واسعة من الاتصالات الهاتفية بالمسؤولين اللبنانيين شملت الرؤساء الثلاثة سليمان وميقاتي ونبيه برّي والنائب وليد جنبلاط، لم تكن بعيدة عن الرسالة التي سلمها السفير الفرنسي في بيروت باتريك باولي إلى الرئيسين سليمان وميقاتي، بطلب من الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والتي حضت اللبنانيين على رص الصفوف وعدم الوقوع في فخ الانقسام، وشددت على أهمية عدم حصول فراغ سياسي وألا يتوقف عمل المؤسسات".
وهذه الرسالة كانت منسجمة إلى حدّ بعيد مع الموقف البريطاني الذي عبّر عنه سفيرها في بيروت طوم فليتشر الذي تحرك باتجاه الرؤساء الثلاثة أسوة بتحرك السفير الفرنسي وسفيرة الاتحاد الأوروبي.

