ازدادت وتيرة القلق العربي والدولي على لبنان في الآونة الاخيرة، وازداد التوجّس من إصابته بشظايا حرزانة من الانفجار السوري القائم بجواره منذ نحو عشرين شهراً.
والمقلق في ذلك القلق، انه يأتي من جهات سياسية وديبلوماسية عربية وأجنبية دأبت سراً وجهراً على الاشادة بأداء مختلف الفرقاء اللبنانيين لجهة ابتعادهم عن التورط المباشر في الوضع السوري، واتفاقهم بعد ذلك، في "إعلان بعبدا" الشهير على تحييد لبنان عما يحصل هناك، وبالتالي الاتفاق على إبقاء الخلاف السياسي (الكبير بكل حال) إزاء الثورة والنظام في حدوده اللفظية و"المبدئية" البعيدة عن الترجمة الميدانية.
وذلك الإعلان كان فيه شيء من التواطؤ الايجابي والبنّاء: لكل طرف ان يقارب الوضع السوري وفق خياراته وحساباته، ولكن من دون استجرار الطاقة التفجيرية لذلك الوضع الى الداخل.. وحظي ذلك التوجه بإشادة خارجية مشهودة، فيما هو في ذاته، كان احد محاصيل توافق ذلك الخارج على نقطة الهدوء في لبنان، رغم اختلافه المستمر على كل شيء آخر.
قبل المرحلة الراهنة، كانت تلك الاشادة تُرفق عادة بموجات تحذير خجولة من مغبة تغيير المواقف او بالأحرى من مغبّة التقاط المغناطيس اللبناني شظايا الانفجار السوري، لكن في الآونة الأخيرة، في الأيام الماضية تحديداً، زادت نوبات التحذير، وانتقلت الى توجّس ملموس بعد أن انكشف ما انكشف من دور "حزب الله" العابر للحدود اللبنانية.
السؤال: هل ان دور الحزب في الداخل السوري هو سبب المواقف التحذيرية المستجدة؟ ام ان هناك اشياء أكبر؟
يعرف المحذّرون والمتوجّسون والمفرفشون والناقمون والهائجون والقلقون والمتطيّرون.. يعرف الجميع، ان رقصة الموت اللبنانية المألوفة تحتاج الى أكثر من راقص لتكتمل. و"حزب الله" مبدئياً هو الفريق الوحيد المسلح والمدجّج والذي لا يزال يرقص بسلاحه، ومع ذلك يقول انه بعيد عن الفتنة ولا يريدها.. أما الآخرون، كلهم في الاجمال وفي المبدأ والضمير والاخلاق والسياسة والبرنامج والكياسة وبُعد النظر، فهم ليسوا في ذلك المزاج لا من قريب ولا من بعيد: لا يريدون السلاح إلا في يد القوى الشرعية. ولا يريدون فتنة الا في الفلّ والياسمين. ولا يريدون الرقص الا في الاعراس والافراح والليالي الملاح.. وبالتالي يبقى السؤال: هل استجدت معطيات ومعلومات عن تغيير في موقف "حزب الله" تبعاً لتطور مأزق حليفه الاسدي، تكفي لدفع الخائفين على لبنان الى إعلان خوفهم ذاك والجهر به؟ وهل استجد شيء كبير في مواقف الوصي الايراني باتجاه تحريك "الساحة" اللبنانية؟ وهل فُتحت نافذة محلية ما امام مشاريع الطاغية الدمشقي في لبنان؟
في احتمالات الاجوبة، يبقى الترجيح، ان المنطق لا يزال هو الحاكم. وان ذلك المنطق لا يزال يفرض حيثياته، وفي رأسها ان المصالح لا تزال اقوى من الغرائز. ومصالح الممانعين المحليين، اي "حزب الله" اولاً واساساً باقية في مكانها حتى إشعار آخر: الدقّ على أبواب الفتنة لكن من دون فتحها.. وكل ذلك بأي حال لا يلغي موجبات القلق، بل يزيدها. والله أعلم!.

