إن وفاة، أو بالأحرى مقتل علي خامنئي، الذي جاء في أعقاب الهجوم الإسرائيلي والأميركي، لم يُدخل إيران وحدها، بل أدخل التاريخ السياسي المعاصر لإيران بأسره، في مسار ومرحلة جديدين.
وبعيدًا عن هتلر وموسوليني، فإن وفاة أو مقتل ديكتاتوريين مثل ستالين، وماو، وفرانكو، وتشاوشيسكو، وكذلك القذافي وصدام، خلّفت نتائج وتداعيات واسعة في بلدانهم، بل وحتى في بعض مناطق العالم الأخرى.
ولا يعني هذا الوصف الإيمان بحتمية التاريخ، بل التأكيد على أهمية غياب أو إقصاء الشخص الأول في الأنظمة الاستبدادية.
فعندما تنتهي جميع مسارات الحكم وصنع القرار عند شخص واحد، يكون حاكمًا مستبدًا وقمعيًا، ولذلك فإن غياب رأس النظام سيؤدي بطبيعة الحال إلى نتائج غير مسبوقة ولا يمكن تجنبها.
وبصفته رجل دِين ومن المشاركين في ثورة 1979، أصبح علي خامنئي، بعد تأسيس النظام الإيراني، في وقت مبكر أحد أفراد الحلقة الأولى للسلطة ومن المقربين الموثوقين لدى مؤسس النظام روح الله الخميني.
وبعد توليه رئاسة الجمهورية لولايتين، اعتلى، عقب وفاة أول مرشد للنظام الإيراني، قمة النظام السياسي القائم على ولاية الفقيه بوصفه المرشد الجديد.
وباعتماد نهج عسكري وأمني، إلى جانب قناعات أيديولوجية وعقائدية ذات طابع مهدوي ونهاية الزمان، أعاد خامنئي، خطوةً بعد أخرى، تشكيل بنية السلطة بما يحقق أهدافه.
وكان دمج الشرطة والدرك واللجان الثورية في جهاز واحد وتأسيس قوات الشرطة الإيرانية، إلى جانب إحكام السيطرة الكاملة على مؤسستين اقتصاديتين ضخمتين حديثتي التأسيس، هما هيئة تنفيذ أمر الإمام ومقر “خاتم الأنبياء” الاقتصادي التابع للحرس الثوري، من أبرز خطواته لتعزيز هيمنته على الدولة.
ومنذ يونيو (حزيران) 1989، تاريخ بدء قيادته، وحتى يوليو (تموز) 1999، ووقوع مأساة المدينة الجامعية في طهران، استغرق الأمر نحو عقد كامل حتى يرسخ خامنئي تدريجيًا موقعه بوصفه الشخصية الأولى في النظام، ويتحول بصورة واضحة إلى حاكم مستبد وشمولي.
وقد أدى قمع المعارضين السياسيين، وإقصاء المنتقدين داخل بنية السلطة، بالتزامن مع المواجهة العنيفة للحركات الاجتماعية ونشطاء ومؤسسات المجتمع المدني، ولا سيما الصحافة، إلى ترسيخ مكانة خامنئي، خلال العقدين الأخيرين من حكمه، بوصفه مستبدًا كامل الأركان.
إن إزاحة شخصية بهذا المستوى من قمة نظام سياسي أمضى 36 عامًا في تعزيز سلطته، وترسيخ موقعه، ومتابعة مشاريعه السياسية والأيديولوجية، فضلاً عن الأمنية والعسكرية، عبر التخطيط والتنفيذ على مختلف المستويات، ستُحدث فراغًا وتداعيات ستظهر تدريجيًا وعلى مستويات متعددة. وهو فراغ لا يمكن سده أو معالجته حتى من خلال خلافته من قِبل ابنه، مجتبى حامنئي.

