من تضخم العملة إلى دولرة الأزمة: ربع سكان لبنان في عين عاصفة «انعدام الأمن الغذائي الحاد» حتى آب 2026

الامن الغذائي

تراكمت خلال السنوات الست الماضية الأزمات الضاغطة على الأمن المعيشي واليومي للسكان في لبنان، مسجلة تدهوراً حاداً وغير مسبوق في القدرة الشرائية دفع بغالبية الأسر إلى إجراء تعديلات جذرية وقاسية على سلوكها الاستهلاكي اليومي.

ولم تكد الأسواق تبحث عن استقرار نسبي، حتى جاءت الحرب الإقليمية الأخيرة وصدمة أسعار النفط وإغلاق مضيق هرمز الإستراتيجي، كعوامل ضغط إضافية تسببت في قفزات قياسية بأسعار الغذاء العالمية، مما انعكس فوراً على الواقع اللبناني المأزوم بطبيعته.

ونتيجة لهذا المسار الانحداري، بات أكثر من ربع سكان لبنان مهددين بنقص حاد وبنيوي في الغذاء؛ حيث تُظهر التقديرات الصادرة تزامناً مع تبعات الحرب الإقليمية، أن نحو 1.24 مليون شخص في لبنان يُصنفون، خلال الفترة الممتدة بين نيسان/أبريل وآب/أغسطس 2026، ضمن الفئات التي تعاني من «أزمة غذائية حادة» مع أرجحية مرتفعة لوقوعهم في حالة «الطوارئ الغذائية» وفقاً لتصنيفات برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة.

مسار أسعار الغذاء: من تضخم الليرة إلى «تضخم الدولار»

وفقاً لدراسة تحليلية معمقة نشرها «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت»، يتبين أنه يمكن تقسيم مسار تطور أسعار السلع الغذائية في لبنان إلى مرحلتين زمنيتين ومفهوميتين أساسيتين:

المرحلة الزمنيةالعامل الأساسي للتضخمحجم الارتفاع والمؤشر
المرحلة الأولى:
(بداية الأزمة ـ صيف 2023)
انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية المتسارع أمام الدولار الأميركي في السوق الموازية.ارتفعت أسعار الغذاء بنسبة قياسية بلغت 19845% وفقاً لمؤشر إدارة الإحصاء المركزي للمشروبات والأغذية.
المرحلة الثانية:
(صيف 2023 ـ نيسان 2026)
استقرار سعر الصرف عند 89,500 ليرة، وتحول التضخم إلى كلفة السلع بالدولار الفعلي (التضخم المدولر).قفزت أسعار الغذاء بنحو 70%، مما يعني انتقال الأزمة إلى الكلفة الفعلية حتى للأسر التي نالت دخلاً مدولراً.

صدمات مستوردة: حساسية الأسواق لـ«القمح الروسي» ونفط هرمز

يعتمد لبنان بشكل شبه مطلق على الاستيراد الخارجي لتأمين أكثر من 50% من إجمالي إمداداته الغذائية الأساسية، ونحو 90% من حاجته الإجمالية للحبوب. هذا الاعتماد الهيكلي جعل السوق المحلية شديدة التأثر بالهزات الدولية؛ بدءاً من صدمة الحرب الروسية ـ الأوكرانية التي أثرت في إمدادات القمح، وصولاً إلى التصعيد الإقليمي الأخير في عام 2026.

ومع اندلاع التصعيد الأخير، ظهرت حساسية الأسعار واضحة؛ إذ ارتفعت أسعار الغذاء في لبنان بنحو 5.7% في غضون شهرين فقط (بين نهاية شباط/فبراير ونهاية نيسان/أبريل 2026). بالتوازي مع ذلك، سجلت كلفة «سلة الحد الأدنى للبقاء الغذائي» قفزة بنسبة 6% في شهر آذار/مارس وحده، مدفوعةً بالارتفاع العالمي للمحروقات بعد صدمة أسواق الطاقة والإجراءات المالية الضريبية الداخلية.

الفقر البنيوي: صراع الغذاء مع التعليم والإيجارات

لا تتحول الأرقام القياسية للأسعار إلى «انعدام أمن غذائي حاد» إلا عندما تقترن بانهيار المداخيل، وهو السيناريو الكارثي الذي تحقق فعلياً في لبنان؛ إذ تضاعفت معدلات الفقر لأكثر من ثلاثة مرات خلال العقد الأخير لتصل إلى 44% من إجمالي السكان.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن العائلات اللبنانية لم تعد تواجه خيار المفاضلة بين الغذاء والسلع الكمالية، بل أصبحت تفاضل بين الغذاء والحاجات الأساسية الأخرى بعد أن سجلت المؤشرات في عام 2025 الارتفاعات التالية:

  • أسعار التعليم والمدارس: ارتفعت بنسبة 38.8%.
  • إيجارات السكن العقاري: ارتفعت بنسبة 27%.
  • الأغذية والمشروبات غير الكحولية: ارتفعت بنسبة 20.4%.

وعلى الرغم من أن تراجع انعدام الأمن الغذائي من ذروته البالغة 24% في أواخر عام 2024 إلى نحو 13% في مطلع عام 2026 شكّل مؤشراً إيجابياً مؤقتاً، إلا أن خبراء البنك الدولي أكدوا أن هذا التراجع لا يعني خروج الأسر من دائرة الخطر، بل يعني انتقالها إلى وضع «قابل للانكسار الفوري»، وهو ما أثبتته جولة الحرب الأخيرة التي رفعت المشهد مجدداً إلى مستوى «الأزمة العميقة».

تلازم الحرب والجوع: تدمير الإنتاج المحلي وفجوات التمويل

تؤكد البيانات التاريخية المتقاطعة أن الحروب المتعاقبة عملت كمسرع أساسي لانعدام الأمن الغذائي المزمن في البلاد وفق التسلسل والوقائع التالية:

  • تشرين الأول وتشرين الثاني 2024: واجه 1.59 مليون شخص (29% من السكان) انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، منهم 205 آلاف شخص شُخصوا في مرحلة «الطوارئ الاستثنائية».
  • كانون الأول 2024 ـ آذار 2025: ارتفع العدد إلى 1.65 مليون شخص (30% من السكان)، مما يثبت أن وقف العمليات العسكرية لا يعني التعافي الفوري؛ نظراً لتدمير الأسواق، وشلل شبكات النقل، وتضرر الأراضي الزراعية في الجنوب والنبطية وبعلبك الهرمل، حيث أكدت 85% من الأسر الزراعية عجزها عن الإنتاج.
  • الربع الأخير من عام 2025: اتسعت فجوات التمويل الدولي؛ وتوقع برنامج الأغذية العالمي ارتفاع انعدام الأمن الغذائي بين اللبنانيين إلى 705 آلاف شخص (18% من السكان)، بالتوازي مع وقوع 33% من اللاجئين السوريين في الدائرة ذاتها إثر خفض المساعدات النقدية الأممية.
  • المشهد الحالي (نيسان ـ آب 2026): أعاد التصعيد الإقليمي الأخير وحظر الملاحة الأمور إلى مربعها الأخطر، ليرتفع عدد المهددين بالجوع عاجلاً إلى 1.24 مليون شخص (ربع السكان)، مقارنة بـ874 ألفاً في الشتاء الماضي، مما يضع الهيئات الإنسانية والدولية أمام اختبار أخلاقي وبنيوي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
السابق
إدانة واسعة للاعتداء على الصرح التربوي: روابط القطاع العام تعزي عائلة الراحلة «إسبرانزا غندور»