جنازة خامنئي.. «نعش» يحاول ترميم سلطة النظام الإيراني الجريحة

irann (3)

بينما يُحمل نعش علي خامنئي خلال أيام الحداد، الذي تنظمه الدولة، يحاول النظام الإيراني إعادة تصوير مقتله في زمن الحرب باعتباره شهادة واستمرارية ومصدرًا للقوة، وترميم نظام جُرح بفعل الحرب وفقدان الثقة الشعبية.

فالجنازة ليست مجرد دفن لحاكم راحل، بل هي محاولة لإعادة بناء صورة بنية سلطة أصابها الضرر.

لقد فقدت إيران مرشدها مع الضربة الأولى للحرب، في قلب شبكتها السلطوية نفسها، وإلى جانب عدد من أفراد عائلته.

والآن تحاول استخدام “النعش”، والأعلام، والمراثي الدينية، والحشود المنظمة، ولغة التضحية، لتغيير معنى تلك الهزيمة.

وقد يكون وجود جثمان خامنئي الحقيقي داخل “النعش” أقل أهمية مما يُراد لهذا التابوت أن يحمله من دلالات.

وهذا الغموض نفسه أصبح جزءًا من الوضع الجديد للنظام الإيراني: نظام يُخفي الحقيقة، ويدير الموت، ويحوّل الغموض إلى طقس سياسي.

ولذلك، فإن النعش لم يعد مجرد أداة جنائزية، بل أصبح رسالة. فالنظام يريد أن يُظهر أنه لا يزال قادرًا على استعراض القوة، وحشد الجماهير، وصناعة رواية وطنية.

“نعش” في مكان السلطة
في حياته، كان خامنئي الرمز الأخير للسلطة غير الخاضعة للمساءلة في إيران.

فعلى مدى عقود، أشرف على القمع، وعمليات الإعدام، وإقصاء المعارضين، والسيطرة على أجساد النساء، والهندسة المسبقة للانتخابات، والعنف الأمني. لكن الطريقة التي قُتل بها حطمت صورة الحصانة التي بُنيت حوله.

فالقائد الذي قدّم نفسه بوصفه قائدًا لـ “المقاومة” ومركزًا للقوة الإقليمية، لم يُقتل في ساحة معركة، بل استُهدف في لحظة كشفت هشاشة البنية التي كان يحكمها.

ولهذا السبب، يتعين على النظام الإيراني إعادة كتابة مشهد مقتله.

فالهدف من الجنازة هو استبدال صورة الهزيمة بصورة أخرى: قائد قُتل، وجماعة دينية مفجوعة، وعدو أجنبي، ونظام لا يزال صامدًا رغم الضربة التي تلقاها.

وكما حدث مرارًا في إيران، يتحول الطقس الديني إلى أداة للبقاء السياسي.

وفي الثقافة السياسية الإيرانية، نادرًا ما يُسمح للموت بأن يبقى مجرد موت؛ فإذا أمكن توظيفه لخدمة السلطة، فإنه يتحول إلى شهادة.

ويحاول النظام الآن إعادة تقديم خامنئي، لا بوصفه الحاكم القمعي الذي حكم البلاد طوال العقود الأربعة الماضية، بل كشخصية مقدسة ومظلومة قُتلت على يد عدو خارجي.

لكن المشكلة بالنسبة للنظام الإيراني هي أن ذاكرة المجتمع لم تُمحَ.

فبالنسبة إلى ملايين الإيرانيين، يرتبط اسم خامنئي بعمليات القتل في يناير (كانون الثاني) 2026، وقمع حركة “المرأة، الحياة، الحرية”، والحملة الدموية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، وإعدام المحتجين، وانتشار الفقر، والهجرة القسرية، والفساد البنيوي، وتحويل الحياة اليومية إلى مجرد صراع من أجل البقاء.

وتريد الحكومة أن يغطي صوت المراثي ومشهد الحشود على تلك الذاكرة. لكن الحداد الرسمي ليس هو الحزن المجتمعي.

فالحشد الذي جُمِع بواسطة الحافلات، والعطل الرسمية، وموارد الدولة، والضغوط الإدارية، والدعاية المتواصلة على مدار الساعة، وشبكات التعبئة المرتبطة بالباسيج وسائر المؤسسات الحكومية، لا يُعد دليلاً على محبة الناس. بل هو دليل على قدرة الدولة، وإصرارها، على تنظيم الشارع.

وتريد الجمهورية الإسلامية أن تحول الأجساد الموجودة في الفضاء العام إلى دليل على الولاء، حتى وإن كان كثير من أصحاب تلك الأجساد موجودين بدافع الخوف، أو الإكراه، أو المنفعة، أو العادة، أو اللامبالاة.

طقس من أجل البقاء السياسي
إن تزامن هذه المراسم مع شهر المحرم يمنح النظام فرصة رمزية قوية.

فمنذ نشأته، صاغ النظام الإيراني خطابه السياسي بلغة عاشوراء: الظلم، والدم، والأعداء، والتضحية، والشهادة.

وهو يحاول الآن إدراج موت خامنئي ضمن هذا الإطار الرمزي نفسه.

وفي هذه الرواية، يُعاد تصوير حاكم كان مسؤولاً عن سقوط كثير من الضحايا بوصفه ضحية يجب الثأر لدمها. وهذا الانقلاب في السردية هو جوهر الدعاية.

أما الضحايا الحقيقيون، فيجري إقصاؤهم عن المشهد، بينما يُوضع المسؤول عن القمع في موقع المظلوم.

فأمهات القتلى، والسجناء السياسيون، والنساء اللواتي تعرضن للقمع، وعائلات المحتجين الذين أُعدموا، جميعهم غائبون عن هذا المسرح.

لقد صُمم المشهد ليعترف بشكل واحد فقط من الحداد: الحزن على سلطة جُرحت وأُهينت.

غير أن حاجة الدولة الملحة إلى هذا الاستعراض الديني تكشف في الوقت نفسه عن ضعفها. فلو كانت السلطة السياسية وحدها كافية، فلماذا يحتاج النظام إلى كل هذا الكم من الطقوس، والإنفاق، والإغلاقات، والإجراءات الأمنية، والدعاية، لإثبات أنه لا يزال قائمًا؟

الجواب هو أن صورة السلطة تعرضت لتصدع واضح بعد مقتل خامنئي.

فجنازته مثل أول اختبار كبير للنظام الإيراني بعد خامنئي.

ويريد النظام أن يثبت أن مقتله لم يؤدِّ إلى انهيار أو شلل أو فراغ في السلطة، وأنه لا يزال قادرًا على السيطرة على الشارع.

وتُعد هذه المراسم مناورة لما بعد الحرب من جانب دولة تلقت ضربة عسكرية، وفقدت جانبًا كبيرًا من شرعيتها الاجتماعية، وتواجه مجتمعًا يزداد انعدام ثقته بها.

ولهذا، فإن جنازة خامنئي ليست نهاية مرحلة، بل محاولة للسيطرة على الرواية التي ستُحكى عن نهاية تلك المرحلة.

ويدرك النظام الإيراني أن الطريقة التي قُتل بها خامنئي ترمز إلى الضعف، ولذلك يحاول أن تجعل الطريقة التي يُدفن بها رمزًا للقوة.

غير أن هذا المشروع ينطوي على تناقض جوهري. فالنظام الذي يحاول بناء سلطته انطلاقًا من “نعش” خامنئي يعترف، من دون أن يصرح بذلك، بأن السلطة وحدها لم تعد كافية.

فلو كانت الشرعية الحقيقية موجودة، لما كان هذا الاستعراض الضخم ضروريًا.

ولو كان المجتمع يعيش حزنًا حقيقيًا، لما احتاج الأمر إلى هذا القدر من التنظيم.

ولو كان خامنئي محبوبًا حقًا، لما اضطرت الدولة إلى إعادة صياغة قصة موته بهذا الحجم من الدعاية، والطقوس، والرقابة الأمنية.

السابق
بلدية صور أعلنت افتتاح موسم الخيم البحرية على شاطئ محمية صور