يستعمل لمرة واحدة فقط

شعوب وحكومات، نتعامل مع مشاكلنا ومصائبنا وقضايانا، كما نتعامل مع محارم «الكلينكس» تستخدم مرة واحدة فقط… نتعامل ونشعر بالمصيبة والكارثة مرة واحدة فقط، وبعدها تصبح الامور طبيعية وعادية جدا.
مجزرة في سورية، نلطم، نبكي، نجمع التبرعات، نستنكر، ندين، نغني، ننشد المراثي، ثم تتوالى المجازر، وتصبح ثانية وثالثة ورابعة وعاشرة… ونحن نصر على استنكار المجزرة الاولى، فلا طاقة لنا بتحمل كل هذه المجازر!

اسرائيل تقصف وتقتل، نستنكر، نشجب، نندد، ثم تقصف وتقصف الى درجة اننا نستحيي من التنديد، حتى لا يقولوا عنا شعباً يشجب فقط، ونكتفي بقراءة الفاتحة اذا سمح الوقت.
فيلم يسيء للرسول، نستنكر، نطالب، نحرق السفارات، نقتل السفير، نجيش الاعلام، نخرج المظاهرات، ونلعن أم من شتم نبينا، ثم يخرج فرنسي ويسيء، ودنماركي، وهندي، وبولندي… والامور تسير كما كانت من قبل، لانه لا يمكن ان نترك مصانعنا ومختبراتنا العلمية، ونتابع كل من اساء لعقيدتنا، ولهذا نكتفي بالحرق لمرة واحدة فقط!

انفجار ارهابي في العراق، نحزن، ندد، نتبرع، ثم يليه انفجار وانفجاران وعشرون والامور عادية، والناس عايشة، لا احد يهتم، وقد يسمع احدهم عن ثلاثين انفجاراً في يوم واحد في العراق، وبحصيلة عشرين قتيلاً، واذ به يردد «الحمد لله شوية»!
نحن نغضب ليوم واحد ولمرة واحدة فقط، اكثر من هذا عبء لا نحتمله، فلا طاقة لنا لان نحزن على مصائبنا كل يوم، ولهذا نبدأ بالحرق والقتل، ثم بالاستنكار والشجب، ثم الدعوة لضبط النفس والتعقل، ثم التجاهل، ثم لوم انفسنا، واخيرا تشجيع العدو على مايفعله، وما حرب لبنان وغزة ليست ببعيدة على ذاكرتنا، يومها ندد العرب بالعرب، ولاموهم على استفزاز اسرائيل الحبيبة!

هكذا شعوب ستنقرض، ولايمكن ان تعيش مثل غيرها، الدول التي لا تعمل ولا تبني، ولا تفكر في مستقبلها، ولا تخطط لأخذ حقها فعليا وليس تمثيلا، لايمكن ان تبقى، والشعوب التي تعيش على ردات الفعل، والكلام الفارغ لايمكن لها الاستمرار، الامم الواعية تعمل من أجل قضاياها، ونحن نكتفي بالبكاء عليها… واسمحوا لي ان انهي مقالي بفاصل من البكاء على الدم المسكوب… ونعود لاحقا!  

السابق
لا أمن بالتراضي
التالي
الإبراهيمي: الإصلاحات لم تعد تكفي