لماذا حملة طرد السفير السوري الآن؟

شكّل إقرار العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا تطوراً غير مسبوق في طبيعة العلاقة المأزومة تاريخياً بين البلدين في ظلّ الهواجس اللبنانية المتراكمة من الأطماع السورية بضمّ لبنان وإلحاقه بالمحافظات السورية.

وكان الاعتقاد الراسخ أنّ رفض التبادل الديبلوماسي متأت من خلفية عقائدية وليس فقط سياسية استخدامية للبنان من منطلق الورقة والساحة، وهذه الخلفية مردّها إلى رفض الاعتراف بوجود لبنان ككيان سيّد ومستقل.

ولا بأس من التذكير أنّ النظام السوري أصرّ إبان اجتماعات اتّفاق الطائف، على الرغم من الضغوط العربية والدولية عليه، على إنتاج صياغة ملتبسة لبند العلاقات المميزة بين البلدين التي لم تتضمّن ذكر التبادل الديبلوماسي أو ترسيم الحدود، لا بل فتحت الباب على ربط لبنان بسوريا عبر سلسلة اتفاقات كان ينقصها فقط الظرف الإقليمي الذي توافر بعد حرب الخليج الثانية خارجياً ورفض ميشال عون الانخراط في الطائف لبنانياً.

وما تحقّق في اجتماعات هيئة الحوار عبر تبادل السفراء والترسيم كان نتيجة طبيعة لموازين القوى آنذاك التي كانت لمصلحة قوى 14 آذار، علماً أنّ 14 آذار، أخطأت ربما، أو أنّ الظروف لم تسمح لها بإلغاء معاهدة "الأخوة والتعاون والتنسيق"، هذه الخطوة التي كان يفترض اتّخاذها بعد انتخابات العام 2005 وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى.

وفي معزل عن ذلك، اعتبر، وعن حقّ، أنّ رفع العلم اللبناني في دمشق خطوة تاريخية، خصوصاً أنّه كان ثمّة نوع من رهان على أنّ النظام السوري استخلص العبر من تجربته اللبنانية ويريد بناء علاقات على قاعدة الندية والاحترام المتبادل.

ولكنّ هذا الاعتقاد سرعان ما بدّدته الأحداث والتطورات التي برهنت بالملموس أنّ دمشق لا تُعير أيّ اعتبار لسيادة لبنان، وكلّ همها يتركّز على عودة جيشها إليه وهيمنتها عليه. ومن هنا، تحوّلت السفارة السورية إلى بوريفاج أو عنجر، أي إلى وكر للجواسيس والمخابرات وحياكة المؤامرات ضدّ السيادة الوطنية.

وبعد انطلاق الثورة السورية انتقلت 14 آذار إلى السياسة الانتظارية للحؤول دون إعطاء دمشق و8 آذار أيّ مبرر لتصدير الأزمة السورية إلى لبنان، فيما كانت قد ترسّخت القناعة لدى الفئات السيادية بأنّ تصحيح العلاقات بين لبنان وسوريا مستحيل في ظلّ النظام البعثي، وأنّ الأمل الوحيد معقود على هذه الثورة لتحرير الشعبين السوري واللبناني من قبضة هذا النظام، خصوصاً بعد صدور وثيقتين تاريخيتين عن "المجلس الوطني السوري" و"الإخوان المسلمين" تؤكّدان سيادة كل من البلدين واستقلاليهما.

وبعد تسجيل أكثر من 50 اختراقاً وفي ظل التعمية الحكومية التي دفعت رئيس الجمهورية إلى الاحتجاج الرسمي على هذه الخروقات وجدت المعارضة أنّ ثمة خطة منهجية لتفجير الساحة اللبنانية والتي تُوّجت بمتفجّرات سماحة-المملوك، هذه المتفجّرات التي أسقطت سياسة النأي بالنفس نتيجة انكشاف المخطط السوري العدواني على لبنان الذي يتطلّب اتّخاذ تدابير صارمة وجذرية لحماية اللبنانيين.

فما قبل سماحة-المملوك ليس كما بعده، وبالتالي بات من الضروري المطالبة بطرد السفير السوري ونشر القوات الدولية على الحدود وغيرهما، هذه المطالب التي لاقاها وليد جنبلاط ليؤكّد على تقاطعه السياسي لا الإداري مع قوى 14 آذار. ويبقى أنّ المسيحيين، وعبر الحركة أمس، أظهروا أنّهم غير منكفئين عن مواجهة النظام السوري، لا بل أنّهم، كما دوماً، رأس حربة في الدفاع عن الثوابت الوطنية.
 

السابق
وسام حرّاً: الإعلام إلى القفص
التالي
الانوار: وزارة الخارجية تجذب المحتجين من 14 آذار والمؤيدين من 8 آذار