ينعقد مؤتمر الحوار الوطني وَسط مخاوف حقيقية من انفلات الوضع الأمني بما لا يمكن للبنان تحمّله نتيجة الربط الميداني بين ما يجري في سوريا وتداعياته على الساحة المحلية.
لا الرؤساء سليمان وبرّي وميقاتي يريدون للفتنة أن تنمو وتنتشر وتضرب الأمن والاستقرار وتزيد أزمات اللبنانيين، ولا "حزب الله" و"القوات" و"المستقبل" والعونيون ينادون بالفتنة أو يسعون إليها.
كذلك، لا المملكة العربية السعودية ولا إيران تشجعان اللبنانيين على الانزلاق إلى أتون الفتنة بل العكس، فإن الملك عبد الله بن عبد العزيز شجّع الرئيس ميشال سليمان على عقد الحوار "وإعادة التوازن" بهدف تحصين الوضع اللبناني من خلال إشراك جميع المكوّنات الرئيسية التي تمثل الشعب اللبناني تمثيلاً سياسياً ومذهبياً حقيقياً.
وهذا التشجيع يقابله تحذير جدّي جداً بأنّ المرحلة المقبلة ستكون صعبة وحساسة للغاية، وأنّ الأمن سيهتزّ اهتزازاً مؤلماً، ولا أحد يعرف إلى أين يمكن أن تصل الأمور، وأن الوقت يضيق أكثر فأكثر وقد لا يتجاوز أسابيع معدودة.
من هنا يرتدي الحوار أهمية استثنائية، لأنّ نتائجه ستُحدّد معالم المرحلة المقبلة: تفاهم على المشاركة في تحمّل مسؤولية مواجهة وأد الفتنة وتحصين الساحة الداخلية ومنع ارتدادات الأزمة السورية على لبنان، أم انفجار الوضع أمنياً وانفلات الأمور؟
المسألة الأساسية الملحة اليوم ليست مسألة السلاح، على رغم أهميتها وأحقيّتها، لأنّها قضية مطروحة منذ سنوات وتحتاج إلى سنوات إضافية لإيجاد حلّ لها، بل انها مسألة إنقاذ لبنان من سقوط كبير بدأت تلوح طلائعه في الأفق.
من هنا، لا يمكن لـ"حزب الله" أن يكتفي بالصلاة لتجنّب الفتنة، إنما عليه أن يبادر إلى خلق الظروف والمناخات العملية لوأد الفتنة، وذلك بالإفساح في المجال أمام حكومة إنقاذ يتشارك الجميع فيها في تحمّل المسؤولية.
كما على الرئيس ميقاتي أن لا ينتظر طويلاً جلاء الوضع السوري ليبني على الشيء مقتضاه، لأن المعطيات والمعلومات الاقليمية تشي بأنّ المأزق السوري إلى مزيد من التدهور سريعاً، وأنّ الأرض ستهتزّ تحت أقدام ميقاتي ولن يكون امامه الوقت الكافي لخروج يحفظ له ماء الوجه، إذا استمرّ في تغطية هذه الحكومة والأهداف المرسومة لها، وأنّ سقوطه سيكون قاسياً ومؤلماً.
لذلك، فإن مسؤولية كبيرة تقع على المتحاورين، خصوصاً في الأكثرية، لأن المعارضة لا تملك أن تعطي شيئاً لأنها لا تملك شيئاً في الاصل، ولا يمكنها أن تمتصّ غضب الشارع السنّي، الذي يغلي ويشعر بأنه مهمّش ومسلوب الحقوق السياسية، وأنّ الوزراء السنّة لا يمثلونه ولا يعبّرون عن رأيه، إلا إذا استعادت المعارضة ما فقدته من السلطة قهراً، وعملت على تطمين جمهورها.
المطلوب قراءة الواقع بموضوعية سياسية، واجراء الحسابات بدقة، والتركيز في الحوار على المبادرة الى اتخاذ قرار جريء بالتخلي عن هذه الحكومة قبل فوات الاوان.

