هل يجوز لتنظيم اساسي في النظام الطائفي اللبناني ان يدعو الى فصل السياسي عن المذهبي في لبنان؟ في ما يلي مناقشة لوثيقة "تيار المستقبل" حول "آفاق الربيع العربي".
الاحتفاليةُ العامرةُ التي تتحدث فيها عن "الربيع العربي" وثيقةُ "تيار المستقبل" الأخيرة هي احتفالية مفهومة. فإسم الوثيقة ومناسبتها هما "الربيع العربي" الذي يرى النص، كمعبِّر عن موقف الحزب الحريري، أنه لقي استجابة عميقة في "اوساط اللبنانيين" و"جمهور المستقبل" .
هنا بعض الملاحظات:
الأولى هي أن المرجعية الفكرية المعلنة للنص هي مرجعية مشيخة الازهر بينما التنظيم يعتز بانتمائه السياسي الى المرجعية الملكية السعودية. هو لا يعلن هذا الانتماء في وثيقته لكنه لا يحتاج الى هذا التأكيد. فالخط السياسي للنص ومنطقه الصراعي الضمني يلغيان هنا أي حاجة لممالأة لفظية للسعودية لا يحتملها الاقتصاد اللغوي للنص. أما المرجعية الفكرية الأزهرية المعلنة فتتمثل بالارتكاز على الوثائق الثلاث التي صدرت برعاية الازهر وشيخه (وشيخنا) الدكتور الطيب. وأهمها وثيقة الحريات الاربع.
الملاحظة الثانية هي مقاربة النص في فقرات اساسية منه للاختلاف السني – الشيعي، إنما من حسن النوايا الاكيد ان يحمِّل كاتبوه أنفسهم مسؤوليةَ الدعوة لمنع هذا الصراع فيما الحزبان الأفعل في لبنان هما حزب السنية السياسية السعودي وحزب الشيعية السياسية الايراني! اي أن "لغة حسن النوايا" على الجهتين هي لغة في الحرب لا في السلم، لغة هدنة بين مواجهتين، فكيف تستقيم دعوة النص العملية لا اللفظية الى فصل المذهبي عن السياسي من داخل النظام السياسي؟… مستحيل!
الملاحظة الثالثة هي اعتراف الوثيقة بالمخاوف التي تثيرها الثورات الجديدة لدى بعض الجماعات ولاسيما المسيحيين مقابل تأييد "كثرة كاثرة" لهذا التغيير. لكن الوثيقة ترفض "ترتيب نتائج سياسية قاطعة" على هذا الاعتراف. كيف تعترف بظاهرة وترفض معالجة تبعاتها خصوصا ان كاتب النص يأخذ على عاتقه اعلان "أن المسلمين ما أظهروا في الازمنة الحديثة تطرفا ولا مارسوا عنفا على المسيحيين ولا تعاطفوا مع المتطرفين"… متأكد أنتَ من ذلك يا عزيزي! هل نسيت انك في لبنان بلد العنف المتبادل والواسع بين المسيحيين والمسلمين… آخر مرة لمدة 15 عاما؟
الملاحظة الرابعة هي مفهوم "الربيع اللبناني" الذي يجزم النص بانطلاقه منذ العام 2005 . كان ذلك العام، لا شك، حدثا جللا في لبنان بمعانيه الدولية والاقليمية والمحلية وأدى الى إنهاء حقبة المرجعية السورية المسيطرة على لبنان. وهذه فرصة لا تزال مفتوحة لاختبار قدرة اللبنانيين على حكم أنفسهم بأنفسهم. لكن دعونا نذكِّر أنه لا يمكن اعتبار هذا التحول "ربيعا لبنانيا" لأن المعنى المسلّم به لـ"الربيع" في اي بلد هو تغيير النظام السياسي في البلد نفسه كما حصل في مصر وتونس… وليس في بلدٍ آخر. وتغيير النظام اللبناني غير مطروح لا لدى "تيار المستقبل" ولا 14 آذار ولا 8 آذار بل ان "الوثيقة" تدعو الى حماية النظام. فهذه القوى لا تختلف على طبيعة النظام وانما على نوع تلبيتها للسياسات المتناقضة التي تريدها المحاور الدولية والعربية المنتمية اليها. التغيير في سوريا هو المطروح في "الوثيقة" فقط. فكيف نسمّيه ربيعا لبنانيا!
سأختم بملاحظة خامسة متصلة لا تنحصر بـ"تيار المستقبل" وإن كانت مناسبتها هي وثيقته هذه. تسمية "ربيع لبناني" في النص مع كل المفارقة التي تحملها باعتبارها تتعلق ببلد آخر غير لبنان تكشف ان العقلية الخدماتية في الطبقة السياسية اللبنانية تكرست عميقا في كل أجيالها ايا تكن طوائفها. فالمشروع العسكري لـ"حزب الله" هو العنوان الأخطر للخدماتية السياسية والايديولوجية في الجناح الشيعي من الطبقة السياسية اللبنانية، وحلفاء هذا الجناح، يقابله الانخراط الكامل في الصراع الداخلي السوري المندلع حاليا الذي تعبّر عنه "القوات اللبنانية" و"تيار المستقبل" وقوى اخرى داخل 14 آذار وخارجها. ان تسمية التغيير في سوريا "ربيعا لبنانيا" هي العنوان الاخير الابرز لهذه الكفاءة المركنتيلية. كفاءة تكوينية في النظام السياسي اللبناني لا تستثني يسارا او يمينا، اسلاميا خمينيا او سلفيا او ليبراليا. الاستثناء الوحيد هو بعض الشباب الحالم والهامشي سياسيا الذي لم يصطدم كفاية بعد بمدى قوة النظام الطائفي.
التغيير لا يتعلق بجوهر النظام الطائفي في تقاليد المركنتيلية السياسية اللبنانية وانما بميزان القوى الطائفي داخل النظام. والتغيير لا يتعلق بالحدود اللبنانية بل خارجها. ربيعنا المركنتيلي يكون حين "تُزهر" دما او ديموقراطية في القاهرة وبغداد وتونس وبالاخص دمشق. اما نحن نظام الحرب الاهلية المتواصل في بيروت فقوة تغيير في المنطقة!… فقط لا غير.

