إشكالية كلام البطريرك في ذكرى انتخابه

أحدثت مواقف البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي للمرة الثانية خلال اشهر قليلة حول الموضوع نفسه، المتصل بالوضع في سوريا، صدمة لم تقتصر مفاعيلها على الداخل اللبناني، بل أثارت مرة أخرى ردود فعل غير مرتاحة وقلقة لدى الدول الغربية أيضا ولا سيما منها الاوروبية. اذ ان ما توافر من معطيات في هذا الاطار يفيد بأن الاجتماع الذي عقده سفراء الاتحاد الاوروبي مع البطريرك الماروني قبيل زيارته للأردن وقطر لم يتطرق الى هذا الموضوع، على رغم ان سفراء دول عدة رغبوا في ان تتمحور بعض الاسئلة التي طرحت حول الموضوع، ولكن بعض سفراء الدول المؤثرة على هذا الصعيد آثروا عدم تولي هذه المهمة باعتبار ان ثمة إشكالية أثارها ما طرحه البطريرك في أولى مواقفه في هذا الاطار من باريس على إثر لقائه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، فلم يكن ليعتقد بأن السفير الفرنسي دوني بييتون يمكن ان يثير هذه الاسئلة او ربما السفير الايطالي. لكن هذا لم يخف لاحقا تفاعل مواقف البطريرك لدى السفراء المعتمدين في لبنان كما لدى الادارات السياسية في بلدانهم حيال ما يفهم منه للمرة الثانية دفاع عن النظام السوري الذي يطغى في كلامه المتعدد الجوانب على أي كلام آخر يحاول ان يوازن به ما يفهم منه أخذ جانب النظام في ما يقوم به. وهذا الجانب لم يأخذ حيزاً من المشهد السياسي للانعكاسات التي تركها كلام البطريرك باعتبار ان ما برز على الصعيد الداخلي أخذ الواجهة في هذا الاطار وما اتصل منه في شكل خاص بالانقسام المسيحي الذي أحدثته هذه المواقف مجدداً بما هدد الانجاز الأساسي الذي قام به البطريرك بعيد انتخابه قبل عام ألا وهو جمعه القيادات السياسية المسيحية المختلفة والمتناقضة، علماً ان كلاماً كثيراً يقال في الصالونات السياسية ولا يخرج الى العلن ويصب في الخانة نفسها لهذا التفاعل السلبي.

والتفاعل الغربي مع كلام البطريرك يقلق أوساطا عدة نظرا الى المحاذير التي يتركها خصوصا ان زيارته الى الولايات المتحدة الاميركية لم تحظ بالاهتمام الرسمي وأسقطت العاصمة الاميركية من جدول الزيارة نتيجة ما خلفته مواقفه الاولى على هذا الصعيد والتي كانت أطلقت من العاصمة الفرنسية. كما ان القلق الاكبر الذي يثيره حرصاء كثر يتصل برد الفعل العربي والاسلامي على كلام البطريرك في ظل استهداف النظام السوري لمواطنيه على نحو لا تتحمله الدول العربية الاسلامية. وقد عكس الاعلام العربي الكثير من رد الفعل هذا بما يرتب تداعيات ليس فقط على شخص البطريرك وموقع بكركي بل أيضا على الكنيسة في لبنان ككل والقدرة على المحافظة على نفوذها وتأثيرها في لبنان والخارج. فالإشكالية الاساسية تتمثل في أنه فيما يؤكد البطريرك والمدافعون عنه انه لم يقصد في اي وقت الدفاع عن النظام السوري فإن التبريرات غالبا ما صبت في غير مصلحة البطريرك باعتبارها تكرر بطريقة او بعبارات أخرى ما قاله سيد بكركي أساسا. فالتبريرات باتت تعمق المشكلة ولا تحلها خصوصا ان تكرار المواقف نفسها من النظام بعد مشكلة أولى أثارها كلام البطريرك في الموضوع نفسه تظهر كما لو ان سيد بكركي مقتنع بما يقوله وليس ما يقوله التباساً كلامياً عارضاً خصوصاً مع تكراره للمرة الثانية. في حين ان الإشكالية في ما يتعلق بالمضمون ان مواقف البطريرك تتعدى الانقسامات الداخلية بين قوى 14 و8 آذار، اذ هي باتت تثير انقسامات مسيحية إضافية وتثير حساسية بين اللبنانيين والخارج الغربي والعربي. فمع ان ثمة زعماء موارنة يعتمدون الموقف نفسه في شأن النظام السوري فإن مواقفهم تتصل بعملية نفعية في المواقف السياسية يقوم بها هؤلاء على وقع مصالحهم في حين ان بكركي لا يمكن ان تكون في هذا الموقع. ولا يقل رد الفعل لدى الطوائف الأخرى أهمية خصوصاً بعدما غدت بكركي وعلى الاقل في العقدين الاخيرين ضمير اللبنانيين جميعا. وقد كان رد فعل النائب وليد جنبلاط بالغ الدلالة في هذا الاطار ولو انه لم ينتقد او يسهب في انتقاد كلام البطريرك بشارة الراعي فيما الطوائف السنية متحفظة جداً عن كلام البطريرك ولا تخفي انزعاجها ولو لم تدخل في جدل حوله. وهذه الاعتبارات في حد ذاتها تستوجب مع مراجعة حصيلة السنة الأولى للبطريرك الراعي في سدة البطريركية تقويماً للثغر التي حصلت على ان تشكل درساً وافياً ودقة كبيرين في اختيار العبارات والكلام أمام وسائل الإعلام متى كان الكلام ارتجالياً وغير مكتوب، حتى مع التسليم جدلاً وفرضياً بأن بعض هذه الوسائل يمكن ان تفهم خطأ ما يرد في بعض الكلام. وهذا التأني واجب لما يجب ان تكون عليه مواقف بكركي في هذه المرحلة الحساسة ليس مراعاة للوضع المسيحي بحيث لا تزيده انقساماً وتشرذماً فحسب بل حرصا على موقع البطريرك والكنيسة معاً في لبنان وخارجه، اذ ان الجدل الذي طاولهما حتى الآن خلال بضعة أشهر لم تكن حصيلته إيجابية بل على العكس. أما المخاوف المسيحية مما يجري في المنطقة التي تشكل الهاجس الأساس، فثمة حرص يلتقي عليه كثر على ان تتولى بكركي بطبيعة الحال البحث في الحلول الممكنة إنما بمقاربة مختلفة عربياً وغربياً وحوارات تقيمها مع كل المعنيين بمن فيهم الحركات الاسلامية التي تصل الى السلطة في دول الربيع العربي.

السابق
المواطن الإلكتروني والوزير الألمعي
التالي
نص لا يشبه المستقبل ولا يخص اللبنانيين