الثلاثي بري_عون_حزب الله

في رأي مراقبين للأوضاع السياسية في لبنان ان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ربما يكون قد نجح في الأزمة الحكومية الأخيرة في استدراج "تكتل التغيير والاصلاح" بزعامة النائب العماد ميشال عون ومعه "حزب الله" والرئيس نبيه بري الى "مواجهة" اختار لها هو المكان والزمان، وتمكن من فرض النتائج والنهايات لهذه المواجهة، فبدا ولا ريب أنه الفائز الأول.
ومع أن اوساطاً عليمة في هذا "الثلاثي" تقرّ بصحة هذا الاستنتاج الى حد بعيد، إلا انها ترى ان ثمة مكاسب لا يستهان بقيمتها قد حققها هذا "الثلاثي" من خلال أمرين اثنين:
الأول: الطريقة البراغماتية في ادارة هذه المواجهة، وفي سبل الخروج منها ورسم النهايات والنتائج.
والثاني: سد الطريق أمام الأهداف والمقاصد الخفية التي شاء الذين خططوا لفتح ابواب هذه المواجهة أن يبلغوها.

وعليه فان الأوساط عينها تقر صراحة بأن هذا "الثلاثي" ربما أُخذ على حين غرة، حين فتح ميقاتي أبواب المواجهة منذ مطلع شباط الجاري من خلال تعليقه جلسات مجلس الوزراء، لكنه كان "واعياً" وهادئاً في ادارة عملية الدفاع في هذه المواجهة لأنه يعرف منذ البداية أنه يريد لهذه الحكومة، بكل ما تنطوي عليه من مظاهر سلبية وايجابية، أن تستمر ولأنها تقر بأهمية "نعمة" الاستقرار الأمني والاستقرار السياسي اللذين يشكل بقاء الحكومة الميقاتية واحداً من أهم ركائزهما.
ولم يعد خافياً أن العقل الباطني لهذا "الثلاثي" يريد لهذه الحكومة أن تبقى رغم ادراكه انها في بعض المراحل والمناسبات صارت عبئاً عليه إن لجهة قلة انتاجيتها أو لجهة سعي رئيسها من خلال بعض "الشطحات" التي يفتعلها عن عمد بغية اظهار استقلاليته أمام الآخرين ونيل صك براءة من كثير من التهم التي يسوقها ضده خصومه السياسيون وفي مقدمها "شبهة" التفريط بمقام رئيس الحكومة وصلاحياته.

واذا كان هذا "الثلاثي" مضطراً احياناً لتقبل "هجمات" رئيس الحكومة، فلأنه يحتاج الى بقاء هذه الحكومة لاعتبارات وحسابات تتعدى اللحظة السياسية. فهو يريد لها ان تكمل العمر الافتراضي لها (حتى موعد انتخابات سنة 2013) بناء على الحسابات الآتية:
– لأن الوضع في سوريا على حاله من الاضطراب الذي يمكن أن يأخذ وقتاً أطول مما هو محسوب، وبالتالي فالمصلحة الأكبر لحلفاء سوريا في لبنان، والذين تخلوا في الآونة الاخيرة عن صمتهم وتحفظهم رافعين نبرة صوتهم، هي في ديمومة الاستقرار سيد الموقف في الساحة اللبنانية.
– لأن هذا "الثلاثي" لا يريد ضمناً توفير الظروف الملائمة لنهوض حلف الوسط الذي يضم الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط، ولكي يمتّن ركائزه ودعائمه. – لأن هذا "الثلاثي" بدأ من الآن يضع في قائمة أولوياته مسألة الانتخابات النيابية، التي من المفترض أن تجرى بعد سنة ونصف سنة ولكن حسابات معركتها بدأت تفرض نفسها من الآن.
– استطراداً لأن هذا "الثلاثي" لا يريد للحريرية السياسية أن تعود الى السلطة بأهون السبل والاسباب ويريد أن يظل يراها تظهر فقط في منابر المعارضة والاعتراض ليس الا.
وبناء على كل هذه الحسابات التي خرج بعضها الى حيز الضوء فيما بقي بعض آخر حبيس الدوائر الضيقة، بادر الرئيس بري الى استضافة النائب العماد عون في عين التينة ووضع واياه مدى ثلاث ساعات الأسس العريضة لخطة الدفاع الوقائي التي بدأت تتكشف شيئاً فشيئاً. وبناء على الحسابات نفسها فوجئ الكثيرون بالعماد عون يتخلى عن كثير من مثالياته ومواقفه المبدئية ويتوسل، ربما للمرة الاولى، نهجاً أقرب الى البراغماتية منه الى التشدد الذي عرف عنه، فكانت خطوة "التضحية" بالوزير شربل نحاس. واذا كان البعض يرى في هذه التضحية من جانب عون نيلاً خفياً من صورته النمطية المعروفة ومن خطابه القائم أصلاً على أسس ومقومات معروفة، ديدنها التمسك بالاصلاح والتغيير ومواجهة كل بؤر الفساد وتجاوز القانون، فانه لا ريب أن في أوساط هذا "الثلاثي" من يتحدث بالفم الملآن عن مكاسب تحققت في خاتمة المطاف ستكون بمثابة تعويض عن الخسائر وأبرزها:

– عودة هذا "الثلاثي" الى التماسك بطريقة أنهت التناقضات الخفية حيناً والمعلنة حيناً آخر بين اثنين من مكوناته اي بين بري وحركته والعماد عون وتياره، وخصوصاً إذا ما أثبتت الأيام المقبلة صحة المعلومات التي شاعت بعد لقاء عين التينة عن مرحلة جديدة في العلاقة بين الركنين، ستحمل مواصفات مختلفة عن السابق.
– بدل أن يبدو عون في وضع المحرج والمحاصر من خلال الهجوم "الثنائي" الذي شنه عليه أبرز ركنين وسطيين (أي سليمان وميقاتي) بسبب رفض الوزير السابق نحاس التوقيع على مرسوم بدل النقل للعاملين في القطاع الخاص، تمهيداً وتوطئة لفرض واقع جديد يتيح لهما التحلل من كثير من الالتزامات المفروضة عليهما بفعل كونهما شركاء في الحكومة الحالية، نجح عون في شن هجوم مضاد من خلال براغماتيته، فاضطر الاثنان الى التخفيف من طبقة صوتهما وبالتالي التسليم بالعودة الى قواعد اللعبة السياسية السابقة بشروطها المعروفة، ومنها اعادة الاعتبار الى مسألة الحياد في الموضوع السوري.

ولم يعد مفاجئاً القول ان ثمة معلومات سرت في أوساط الأكثرية عن حسابات وايحاءات من الخارج تتعدى مسألة الخلافات على موضوع التعيينات ومرسوم بدل النقل هي التي دفعت الرئيس ميقاتي الى سلوك الطريق الذي سلكه في مطلع شباط وأدى به الى تعليق جلسات مجلس الوزراء.
وفي موازاة ذلك فإن عودة الامور الى مجاريها في داخل الحكومة وانتفاء الذرائع التي دفعت بميقاتي الى الضرب بقبضته على طاولة مجلس الوزراء محتجاً ومعترضاً، كانت من الاسباب الجوهرية التي ربما تكون أقنعت النائب جنبلاط بعدم الذهاب أبعد مما ذهب اليه في الخطاب الذي يطلقه منذ زمن في شأن الموضوع السوري، ويعود بالتالي الى الالتزام بما كان أبلغه الى بعض الاطراف الداخليين وفي مقدمهم "حزب الله" بأنه باقٍ في الحكومة ما دامت الحكومة باقية، ولكنه "سيغرد" على غصن مختلف في الموضوع السوري.

وفي كل الأحوال، فإن هذا "الثلاثي" يقارب الوضع من باب انه نجح في خوض غمار مواجهة داخلية فرضت عليه في الموضوع الحكومي، وتجلى هذا النجاح أكثر ما يكون في مشهد الحكومة وقد التأمت أول من أمس في قصر بعبدا. مع العلم ان "حزب الله" وحليفه عون كلاهما يعتبران ضمناً ان توزير سليم جريصاتي مكان الوزير السابق نحاس كان "ضربة معلم" للرد على الضربة التي سعى من سعى الى توجيهها اليهما عندما فتح أبواب المواجهة أخيراً، فلم يعد خافياً ان جريصاتي يتمتع بمواصفات وله من تراكم الخبرة في المواجهات ما يجعل من تسميته الرد المكين على ضربة اسقاط نحاس واخراجه من الحكومة، واستطراداً يستعد هذا "الثلاثي" لجولة أخرى من المواجهات مع الخصوم، ومع بعض "الشركاء" على حدّ سواء. 

السابق
نقولا يدافع عن المر
التالي
لا انتخابات في لبنان قبل رحيل الأسد