الرسائل التي أراد السيّد إيصالها!

لسنا في معرض التشكيك بنوايا الزميل وليد عبود الذي يُفترض فيه، على غِرار أيّ إعلامي، البَحث عن شخصية "مثيرة" للجدل واستضافتها في ظلّ "العَلك" السياسي وغياب الحدث المحلي أو الموت السريري للحياة السياسية في لبنان، ولكنّ اللواء جميل السيد وَظّفَ "ظهوره" على شاشة MTV، وهذا من حقّه، بُغية إيصال الرسائل الآتية:

أولا، الدفاع المُستميت عن حقبة الوصاية السورية في لحظة سقوط النظام السوري، والهدف طبعاً هو مخاطبة بيئته بأنّ التزاماته وخياراته هي مبدئية ولا تأثر فيها التحولات السياسية، وذلك بمعزل عن وجهة النظر التي قدّمها، والتي تشكّل إهانة بحق اللبنانيين باعتبارهم عاجزين عن حُكم أنفسهم بأنفسهم، وهذا أقلّه ما أثبتَته السنوات التي تَلت الانسحاب السوري، على حدّ قوله، فيما الوصاية التي تمّ تحميلها كلّ "خطايا" العالم، شهدت انتظاماً لعمل الدولة، مع العِلم أنّ السيّد يتجاهل السبب الرئيس الذي حال دون تمكين اللبنانيين مِن حُكم أنفسهم بأنفسهم، والعائِد إلى تغييب الدولة، إنْ بواسطة سلاح فلسطيني، أو سوري، وأخيرا إيراني.

ثانيا، الدفاع عن الدور المسيحي المهَمّش بفِعل الصلاحيات التي انتزعها اتفاق الطائف، وبالتالي وَضع المسيحيين أمام خيار من اثنين: إمّا الاستقواء بعضلات الخارج أو الداخل على غرار "حزب الله"، وتذكيرهم بأنّ الرئيسين الياس الهراوي وإميل لحود حَكما بعضَلات السوري، أو تحريضهم على تعديل الدستور، داعياً إلى إعادة بعض الصلاحيات الى رئيس الجمهورية، ومنها: "حَلّ مجلس النواب عند الانقسام الحاد"، وفي هذا المجال لا يفترض أن يَسهو عن بال أحد أنّ صاحب هذا الاقتراح هو من الطائفة الشيعية. ثالثا، الدفاع عن منطق المؤسسات المعطلة بفِعل التقاسم الطائفي والمذهبي وحكم أمراء الميليشيات، وتظهير نفسه بأنه رجل دولة. والدليل المديرية العامّة للأمن العام التي عمل على مَأسستها، وابتعاده عن الزبائنية والمناخات الطائفية.

إنّ الذي يستمع إلى اللواء السيّد يخرج بانطباع وحيد أنّ كل الطبقة السياسية، باستثناء شخصه، غير جديرة بأن تحكم.

يشكّل ما تقدّم غَيضاً من فيض الرسائل التي أراد السيّد إيصالها، ولكن السؤال الأساسي هو أين يريد صَرفها وترجمتها وتسييلها؟ خصوصا أن رغبته باعتلاء سدّة الرئاسة الثانية لا تنطلي على أحد، ويبدو أنه وَجد في اللحظة الحالية، المُتصلة بالتطورات السورية وتداعياتها على لبنان، الفرصة المؤاتية لتلميع صورته وطرح نفسه كبديل عن الرئيس نبيه بري في الاستحقاق المقبل؟

للتذكير فقط إنّ اللواء السيد لَمّحَ في مقابلته بأن التحالف الرباعي رفع الغطاء السياسي عنه، وأنه لم يلجأ إلى "حزب الله" لتظليله. والمغزى من هذه الإشارة هو تسليط الضوء على استقلالية حركته وحريتها عن الحزب، على رغم التزامه بالخيارات الاستراتيجية التي تجمعهما انطلاقا من مبدأ المقاومة.

وعليه، ماذا يحاول السيّد أن يقول؟

أ- يحاول أن يقول إنه لم يرضخ أو يسلّم أو يبدّل في قناعاته، وما زال يجاهر بمواقفه وتحالفاته، وأنه يشكّل الخيار الذي ينسجم مع تطلعات بيئته في حال فرضت التحوّلات انكفاء الثنائية الحزبية الشيعية.

ب- يحاول أن يقول إنه إذا كان استبعاد بري خطأ، فإنّ الإتيان بشخصية شيعية معارضة هو خطيئة، وبالتالي فإنّ المخرج "الموضوعي" يَكمُن في تسميته.

ج- يحاول أن يقول إنه صَمّام أمان عودة الدور المسيحي، انطلاقاً من حِسّه المدني لا الطائفي و"قناعته"، التي عبّر عنها، بأنّ تقوية هذا الوجود يشكّل الضمانة لإبعاد الفتنة السنية الشيعية أو الصراع السني-الشيعي على تقاسُم حصة المسيحيين في السلطة. وأن الرئيس المسيحي ضرورة وطنية وعربية. وفي هذا السياق، لا يمكن القفز وراء الغزَل "المتبادَل" بين السيّد والعماد ميشال عون، وتقاطعهما ضد الرئيس بري.

د- يحاول أن يقول إنه سوري لا إيراني، وإنّ سقوط نظام الأسد بمعنى من المعاني سيجعله "لبناني الهوية والانتماء".

هـ- يحاول أن يقول إنّ تجربة الأمن العام سينقلها إلى المجلس النيابي، أُمّ المؤسسات، الأمر الذي يفتح الطريق أمام الإصلاح الجدّي في البلاد.

قدّم اللواء السيّد نفسه بأنه قيادي وليس فقط سياسياً، محاولا البحث عن دور "رئاسي". ولكن، بمَعزِل عن 14 آذار وموقفها المعلوم منه مسبقاً، وهو سَلبي "جدا" بطبيعة الحال، لا بدّ من طرح التساؤلات الآتية: هل يتخلّى "حزب الله" عن الرئيس بري لمصلحة السيّد؟ وأين مصلحة الحزب في ذلك، خصوصا أنه في حاجة لإقفال الساحة الشيعية وليس فتح ثغرة بحجم "حركة أمل"، التي ما زالت تملك تواجدا في معظم القرى الشيعية، مهما تقلّص حضورها، فيما اللواء السيّد لا يملك أيّ حَيثية شعبية على الأرض. هذا على المستوى الشيعي، أمّا على المستوى السني فالنظرة إليه لا تختلف عن النظرة حيال العماد عون، فضلاً عن الواقع الدرزي ممثّلاً بالنائب وليد جنبلاط الذي كرّس السيّد حلقته للهجوم عليه، ناهيك عن أن معظم المسيحيين يحَمّلون بالأولوية السلطة الأمنية، لا السياسية، مسؤولية الواقع الذي كان سائدا بين عامي 1990 و2005… 

السابق
الشيعة يتعرضون لمحاولة استتباع
التالي
الياس خوري يفوز بجائزة الأونيسكو