مع توالي مسلسل الانهيار الأمني المريع و الفشل الذريع لحكومة التحاصص الطائفي و العرقي المالكية , وإاهيار التحالفات التكتيكية والمصلحية بين القوى السياسية والطائفية المختلفة والمتخلفة في العراق, يبدو أن عجلة الموت هي الأسرع في ظل دوامة التخلف المريع التي ضربت بلاد الرافدين من أقصاها لأقصاها مع تصاعد التيارات الطائفية والدينية بأشكالها وأطرها المختلفة والتي اكتسحت الساحة بشكل مريع, وبما يؤشر على حالة الجهل المريع التي تمددت في أرض العراق لتحيله لأرض يباب ينخر الموت في ارجائه وتسود الروح العدمية في أطرافه وتتغلب عقدة النقص والذنب التاريخية على نفوس شعبه التائه بين تيارات مختلفة ومتخلفة, ومتعارضة وعدمية, لا تخضع سوى لأشد لحظات البؤس التاريخية خضوعا.
ما حدث في مدخل قضاء الزبير من تفجير إرهابي لأحد الانتحاريين القتلة والذي ذهب ضحيته اخيرا عشرات الضحايا لا يثير الأسى والشجن في النفوس فقط, بل يبعث كل عوامل القلق على مصير ومستقبل ووحدة بلد يمتلك كل عوامل التقدم والازدهار الحضاري, ودخول العالم المعاصر من خلال إمكانياته الاقتصادية والبشرية الهائلة, ولكنه لايزال يعيش للأسف في عقلية العصر الأموي وحروب الخوارج والشيعة وبقية تلك الصفحات السوداء في تاريخنا العربي الإسلامي الحافل بملفات الصراع والحقد الدموية التي نعرف بداياتها ولكن ليس هناك من سبيل لنهاياتها الحمقاء والغبية.حقيقة لا أعرف ما تفعله الحكومة العراقية "التعبانة" والتي يديرها غلمان النظام الإيراني من أحزاب أسستها ورعتها المخابرات الإيرانية, واستثمرتها فيما بعد من خلال الصفقات الدولية, ماذا يفعل نوري المالكي, وهو القادم من أعماق المؤسسة الاستخبارية الإيرانية والسورية سوى عد وإحصاء القتلى والجرحى والمنكوبين وهو يخوض حروبه الدونكيشوتية ضد وزرائه وحلفائه في التكتل الحكومي? وكيف تسير أمور بلد وشعب ودولة لا شغل لحكومتها وجيشها وأمنها سوى حماية مواكب اللطم والتطبير والماراثونات التي تعطل الماكينة الإنتاجية وتعرقل سير الحياة الطبيعية وتدخل البلد في حماقات عداء طائفية لا معنى لها أبدا في عصر الحريات والتقدم العلمي والحضاري.
حكومة المالكي الذي فشل في إدارة الصراع السياسي الداخلي, وفشل في استكمال تشكيلة حكومته البائسة ليست سوى وقود في مشروع تمزيق ما تبقى من العراق وشحن بطارية الحرب الأهلية التي يعد لها النظام الإيراني من خلال تفعيل أدوات الصراع الداخلي, سواء من جانب المتطرفين الشيعة أو المتطرفين السنة من أهل الفكر التكفيري الخارجي , فالبلد ومنذ سنوات لا يعيش في حالة طبيعية, بل في حالة طوارئ وتلك الحالة تقتضي ضبط النفس ومنع مظاهر التجمع والقيام بنشاط استخباري لدعم الوحدة الوطنية ومتابعة واستقصاء جماعات القتل والجريمة من أي جهة جاءت , إضافة الى اجراءات ستراتيجية أخرى يعرفها العاملون في سلك الأمن والمخابرات والتخطيط وإدارة الدولة , إلا أن حزب "الدعوة" وشركاه قد حول البلد حسينية كبرى تمص المافيات التي تقف خلفها دماء الشعب وتهدر طاقات الدولة وتجيش المجتمع لأمور أضحت من الماضي, ولا علاقة حقيقية لها بأصول المذهب أو الدين الحنيف.
في إيران هناك حكومة دينية من الفقهاء ورجال الدين تقود البلد وفقا لأحكام المذهب الجعفري, ولكن في إيران أيضا, وهذه حقيقة لمسناها عن قرب لا توجد مظاهر تخلف عشائرية مريعة كما في العراق, ولا تتعطل الآلة الإنتاجية للدولة الإيرانية في مسيرات ماراثونية لن يستفيد منها أحد سوى مافيات الدين والطائفية التي نعلم وتعلمون.
لا جدوى أبدا من إحياء أحقاد التاريخ وصراعاته المنقرضة والعجفاء ولا فائدة من إستحضار ملفات الماضي الدموية لأمم مضت وأنقضت أيامهم , وعلى الجميع التركيز على المستقبل وبناء الوطن وخلق روح المواطنة الحقيقية المتسامية على الولاءات الطائفية والدينية, وهي مهمة باتت مستحيلة في ظل عصابات طائفية تحكم العراق وتحيله الى مستودعات التخلف التاريخية.
العراق بحاجة الى ثورة وانتفاضة داخلية حضارية وثقافية حقيقية تطيح بكل أصنام التخلف الطائفي والعشائري وتعيد العراق وشعبه لعصور الحضارة والعالم المعاصر وتسترجعه من زمن العصر الأموي الأول , فما يحصل غير معقول ولا مقبول بالمرة ومع كل قطرة دم عراقية تراق في صراع عبثي لا طائل منه تتوسع مساحات الشقاق العراقي, وتعد الأسس التطبيقية والمنهجية لملف تمزيق العراق وتحويله لمستوطنات طائفية وتكفيرية متخلفة, من ينقذ العراق من وكسته? تلك هي المسألة.

