يُشبه اعتذار النائب وليد جنبلاط عن عدم دعم التغيير في سوريا شيئا من حقبة مَضت، ففي العام 2004 تمهّل جنبلاط الخطوات ليرفض التمديد، ثم ما لبث ان رفض لقاء الرئيس السوري وفق جدول إملاءات، وكان ما كان
اليوم يحاول جنبلاط التأني قبل إعلان الطلاق النهائي مع النظام السوري، والمفارقة تكمن في انه وعلى رغم كونه الطرف الاضعف في المعادلة، لا يزال يمسك بالمبادرة، فيما ينتظر الجميع، بمن فيهم النظام السوري وحزب الله، ما سيتخذه من مواقف.
وعلى رغم ملاحظة ان الازمة السورية قد أدّت الى الآن الى إنتاج صورة ضبابية حول هوية الطرف الذي يمكن ان يربح الجولة، فقد قام النائب جنبلاط بحركة سريعة الى الامام تمثلت في اتخاذ موقف قد يكون من الصعب العودة عنه، على رغم أنّ قانون اللاعودة لا يطبّق على جنبلاط.
لكن الاخير بدأ، ومنذ مدة، يتلمّس واقعا جديدا في سوريا، سوف يستجد ويؤدي الى زوال حكم الرئيس السوري وعائلته، وحتى البارزين في الطائفة التي ينتمي اليها.
في سوريا مرحلة جديدة كما يوحي جنبلاط، وفي لبنان ضرورات متعددة والتزامات وخطوات يفترض القيام بها للنأي بالساحة اللبنانية عن التعرّض لآثار سقوط النظام، ويمكن بالترتيب الزمني غير المدروس القيام بالآتي:

– الترتيب لتهدئة سياسية وإعلامية بين قوى 14 آذار وحزب الله تمهّد لأن تكون مرحلة أولية لمحاولة استعادة الحوار على المستوى الوطني العام، على قاعدة حذف الملفات الخلافية مؤقتا، والكلام حول السلاح لكن من خلفية غير صدامية، والتركيز على التعامل مع مرحلة ما بعد سقوط النظام السوري لبنانيّا بشيء من الواقعية الكافية لتجَنّب الوصول الى حافّة اشتباك عنيف.
– الترتيب لإعادة الاتصال بين الرئيس سعد الحريري وحزب الله، لِما لهذا الاتصال من أهمية برأي جنبلاط، في محاولة للبدء بمحو آثار تداعيات إسقاط الحكومة.
– تسليط الضوء على التجميد الواقعي لملف المحكمة الدولية، التي على أهميتها، لم تعد الآن بالنسبة لـ جنبلاط قادرة على ان تُسابق تسارُع الأحداث في المنطقة، خصوصا في الملف الايراني الذي يتحرّك بسرعة قياسية وفي ملف الوضع السوري، وهو يعتقد ان هذين الملفين يَحتلّا الاولوية، ليس فقط على مستوى المشهد العام في المنطقة، ولكن على المستوى الداخلي اللبناني، نظرا لتأثيرهما في وضع الحكومة وسير عملها وقراراتها الكبرى.
الواضح ان النائب جنبلاط في محاولته المرور الحذر بين حَدّي التنصّل من البقاء في التزام مع نظام يراه آيلاً للسقوط، والإبقاء على علاقة معقولة الحرارة مع حليفه اللبناني حزب الله، يسعى مرة ثانية لتأدية دور نموذجي عمّا قام به في العام 2005، مع إدراكه ان المقاربة اختلفت بشكل جذري، فانسحاب الجيش السوري من لبنان الذي أتاح يومها تسوية مؤقتة مع حزب الله بشروط الحزب، لا يشبه انهيار النظام السوري بشيء، والقوى التي قبلت تلك التسوية آنذاك لم تعد قابلة او قادرة على تكرار نموذج يُشبه التحالف الرباعي، وايضا قدرة جنبلاط على القيادة داخل 14 آذار لم تعد هي نفسها، ولم تعد علاقته بالرئيس الحريري (الذي بدأ يشعر انه يَتجه الى تحقيق انتصار) تحظى بالقدرة نفسها في التأثير، ناهيك بعلاقته مع المملكة العربية السعودية التي تحتاج بدورها الى وساطة .

