هل يُبادر الأسد لإنقاذ سوريا والمنطقة··؟

لا الشعارات الحماسية من جانب المجلس الوطني، ولا الشتائم الانفعالية من جانب النظام، تُفيد في معالجة حيثيات وتداعيات القرار العربي، بتجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية، وفتح أبواب البحث في آلية المرحلة الانتقالية·
فالمسألة السورية هي أشدّ تعقيداً من أزمات دول عربية أخرى، وتلاوين مكونات المجتمع السوري تختلف كثيراً عن تركيبات شعوب دول عربية أخرى، ووضعية النظام الأمني في دمشق لا تشبه ما كان معمولاً به في طرابلس أو القاهرة، أو حتى تونس زين العابدين·

ويُضاف إلى ذلك، أن النظام السوري ما زال يستند على قواعد إسناد خارجية مهمة، تبدأ مع الحليف الاستراتيجي في طهران، وتصل إلى القطبين الدائمين في مجلس الأمن روسيا والصين اللذين يعطّلان، حتى الآن، أية خطوة غربية لتدويل الأزمة السورية·

حسابات طهران الإقليمية والاستراتيجية في الدفاع عن الحليف الاستراتيجي الوحيد لإيران، معروفة ولا تحتاج إلى مزيد من الشرح والتفصيل، أما موسكو وبكين فحسابات المصالح المباشرة مع طهران ودمشق، والتي تبدأ باتفاقيات النفط الإيراني مع بكين وتصل إلى صفقات السلاح الروسي والصيني إلى إيران وسوريا، تحتاج إلى معالجات غربية – عربية من نوع آخر، خاصة بعدما ذاقت كل من موسكو وبكين مرارة استبعادهما عن <الكعكة الليبية>، رغم موافقتهما في مجلس الأمن على مهمة حلف الأطلسي <حماية المدنيين الليبيين>!·

فهل هذا يعني أننا أمام مواجهة صعبة في سوريا، يتحضّر المسرح الإقليمي لاستقبال وقائعها، التي قد تكون أكثر دموية من كل المشاهد السابقة؟·

بعيداً عن عملية فرز المواقف التقليدية: مَن مع النظام··· ومَن مع ثورة التغيير، لا بدّ من وضع الأحداث والمواجهات الدموية الجارية في سوريا، منذ تسعة أشهر تقريباً، في إطارها الموضوعي الصحيح، حتى يتسّنى لنا قراءة المواقف في اتجاهها الصحيح·

1 – لم يعد من الممكن تجاهل وحدة المطالب التي يُنادي بها المتظاهرون في مختلف المدن السورية من ريف دمشق إلى درعا ومحيطها جنوباً، ومن حمص إلى حلب وحماة شمالاً، ومن اللاذقية إلى إدلب ودير الزور شرقاً، والتي يمكن اختصارها بنقاط ثلاث: الحرية – التعددية – الديمقراطية·

2 – اعترف الرئيس بشار الأسد في أكثر من مناسبة بأحقية وعدالة المطالب المطروحة، ولكن آلية ترجمة هذا الاعتراف الرئاسي إلى خطوات عملية على صعيد إصلاح النظام وتعديل بعض القوانين للانتقال إلى التعددية، بقيت بطيئة وعاجزة عن مسابقة حالة الحماس والاحتقان السائدة في الشارع، الأمر الذي ولّد حالة من عدم الثقة بين أصحاب المطالب والقيادة السورية·
 

3 – تباطؤ العملية الإصلاحية، وعدم توفير الظروف المناسبة لإطلاقها بالزخم المنشود، محلياً وعربياً، رافقه تعثّر في الإدارة الإعلامية للأحداث والتطورات اليومية، زاده تفاقماً وقوع الإعلام الرسمي في قوالب جامدة من التسميات، كادت تشمل أكثر من نصف الشعب السوري بلقب <العصابات المسلحة>·

في حين كانت المعارضة في الداخل والخارج، تتقن استغلال تكنولوجيا التواصل الاجتماعي عبر المواقع الناشطة على الانترنت، واستطاعت أن تنقل صور ما يجري في الداخل إلى الفضاء العالمي الذي أبدى تعاطفاً مع الشعب السوري الذي يطالب بالحرية والديمقراطية، فيما بقيت المعالجات الإعلامية الرسمية شبه غائبة عن المنابر العالمية، خاصة بعد منع الصحافيين الأجانب من القدوم إلى سوريا، وعدم السماح للمراسلين الأجانب المقيمين في دمشق بمتابعة ما يجري على الأرض، أو حتى إتاحة الفرصة أمامهم للتفاعل مع وجهة النظر الرسمية·

4 – وبموازاة عجز العملية الإصلاحية عن الانطلاق بجدية وفعالية، والارباك في الإعلام الرسمي، وكسب المعارضة جولة التكنولوجيا الحديثة في التواصل الاجتماعي، كانت موجات العنف تتصاعد في الشارع السوري، وكانت المواجهات الدموية تتنقل من مدينة إلى أخرى، وكانت الفرص المتاحة أمام النظام للإمساك بطرف الحل، والشروع بورشة حوار حقيقي وجدّي مع المعارضة تنهار، الواحدة بعد الأخرى، إلى أن بلغت الأمور حدّ صدور قرار الجامعة العربية الأخير الذي أثار ردة فعل في دمشق، زادت الأمور تعقيداً عوض أن تتجه بها نحو استيعاب الصدمة، والولوج إلى الحوار السياسي·

لا يبدو أن بين القادة العرب من يرغب بإقفال الأبواب نهائياً في وجه النظام السوري، ولكن ذلك لا يعفي دمشق من القيام بخطوات جدية وفعّالة نحو وقف العنف في الشارع، والجنوح إلى المعالجة السياسية بعدما أثبتت للأشهر التسعة الماضية، ليس عدم جدوى المعالجة الأمنية وحسب، بل فداحة خسائر الركون إلى الخيار الأمني فقط، من دون الأخذ بعين الاعتبار أهمية إطلاق المبادرات التي من شأنها تأكيد صدقية النظام في التجاوب مع <المطالب العادلة والمحقة>، كما وصفها الرئيس الأسد نفسه·

ولأن ثمة إدراك عربي واضح لمخاطر استمرار النزف السوري على النظام العربي برمته، كانت هناك أكثر من محاولة لإعطاء النظام السوري فرصة العبور إلى الحل السياسي، وإقفال الجرح النازف ليس في الوطن السوري، بل على مستوى الجسد العربي برمته، خاصة في هذه المرحلة الحرجة التي تجتازها المنطقة، والتي يمكن اختصار عناوينها بالنقاط التالية:

1 – الانسحاب الأميركي من العراق على إيقاع دعوات التفكك والتشرذم لدولة عربية قوية كانت حتى الأمس القريب شريكة في صناعة القرار العربي·

2 – إصرار طهران على الاستمرار في سياسة التمدّد في الجسم العربي، انطلاقاً من العراق وصولاً إلى سوريا ولبنان وفلسطين، فضلاً عن الغموض المحيط ببرنامجها النووي، وتداعيات خلافاتها المزمنة مع المجتمع الدولي·

3 – استمرار تعثّر عملية السلام، وتوقف المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية، وانعكاسات الصراع العربي – الإسرائيلي على حالة الاستقرار ومشاريع التنمية العربية·

4 – انشغال دول الثورات العربية، وخاصة مصر، بالإعداد للمراحل الانتقالية الحالية، والعبور من الأنظمة الشمولية السابقة إلى الأنظمة الديمقراطية الموعودة وما يتطلب ذلك، من ابتعاد عن متابعة الشأن القومي ولو لفترات معينة·

من أجل ذلك، وغيره كثير، يمكن القول إن العرب لم يغلقوا الأبواب بوجه دمشق·

بل ثمة فرصة ما زالت متاحة أمام النظام السوري ليُبادر إلى التقاطها··· والانتقال إلى المعالجة السياسية بالجدية، والسرعة اللازمة· فهل يُبادر الرئيس بشار الأسد ويُنقذ سوريا، ومعها المنطقة العربية، من زلزال ستطال ارتداداته الأجيال الصاعدة على مدى القرن الحالي؟!· 

السابق
هل يمكن إبقاء لبنان بمنأى عن العاصفة؟
التالي
التهديد بضرب إيران لعبة إسرائيلية