كشفت مناقشات اللجان النيابية المشتركة مشروع القانون المتعلق بالكهرباء الذي علق في شباك الخلافات السياسية التي أحكمت قبضتها على المداخلات النيابية بالشكل الذي أدى إلى تطيير نصاب الجلسة، أن الهوة ما تزال شاسعة بين القوى السياسية وأن الخلافات بين هذه الأطياف تتجذر يوماً بعد يوم بما يعطي انطباعاً بأن قابل الأيام الحافل بالاستحقاقات والتحديات سيكون شديد التعقيد وأن حقولاً كثيرة من الألغام ستكون مزروعة أمام الحكومة من قبل فريق سياسي عاهد نفسه العمل على إسقاط هذه الحكومة وإن كلف ذلك انهيار البلد وانزلاقه إلى أتون المجهول.
فإذا كان مشروع قانون الكهرباء هو لمصلحة جميع اللبنانيين موالين ومعارضين، ويشهد هذا النوع من التجاذب وتجنيد المعارضة لكل قواها في سبيل إعاقته، لا لشيء إلا لإظهار أن هذه الحكومة لن تنجح في معالجة أزمة استعصى حلها على حكومات سابقة، فكيف الحال عند الوصول إلى استحقاقات أهم وأكبر وهي تطال الكيان اللبناني برمته.
ما من شك أن المعارضة تتعامل مع هذا الملف ليس من منطلق تقني أو من منطلق الحرص على المال العام، بل هي تتعاطى معه من منطلق كيدي وثأري، وما أدراك ما مخاطر هذا التوجه الجهنمي على مجمل الوضع اللبناني الذي يعاني في جوانب كثيرة منه حالة من الاهتراء نتيجة التعامل غير المسؤول في مقاربته خلال الحقبات السياسية المنصرمة.
وفي اعتقاد مصادر سياسية متابعة أن صورة مناقشات المشروع يوم الإثنين المقبل ستكون طبق الأصل عما كانت عليه بالأمس، حيث سيبقى كل فريق متمترساً وراء مواقفه، فالأكثرية ستتعاطى مع هذا الملف من منطلق تقني يهم كل اللبنانيين، والمعارضة ستقارب هذا الملف من منطلق سياسي يرمي إلى التصويب على الحكومة ووضع العصي في دواليب اندفاعتها باتجاه معالجة الكثير من الملفات خصوصاً تلك التي هي على تماس مباشر مع المواطنين.
ولا ترى هذه المصادر من بد في إحالة الملف على الهيئة العامة وخضوعه إلى التصويت بعد إشباعه مناقشة لن تأتي بأي جديد.
وفي اعتقاد هذه المصادر أن طريقة تعاطي المعارضة مع ملف الكهرباء هي بمثابة كشف الغطاء عما سيكون عليه حال هذه المعارضة عند أي محطة سياسية أو عند مقاربة أي استحقاق مهما كان نوعه، وهو ما يعني أن معركة شد الحبال ستستمر، وأن المعركة السياسية ستبقى مفتوحة، خصوصاً وأن قوى الرابع عشر من آذار ما تزال تراهن على متغيرات إقليمية تعيدها إلى حلبة الحكم، وهي لأجل ذلك ستخوض معركة اللعب على الوقت بانتظار حدوث ما ترغب فيه، أو على الأقل تحقيق ما وُعِدت به من قبل الإدارة الأميركية وبعض الدول العربية والغربية، من دون الانتباه إلى أن الحقبات الماضية أكدت أن هذه الوعود هي وعود عرقوبية، أو هي كوعد "إبليس بالجنة".
وتؤكد هذه المصادر أن تعاطي المعارضة غير المسؤول مع الملفات المطروحة ولا سيما ملف الكهرباء يدل على مدى قصر نظر هذه القوى التي لا ترى أبعد من أنفها، ولذلك فإنها تتلقى الضربة تلو الضربة على الرأس نتيجة افتقادها لأي مشروع يقوم على بناء الدولة، بل إن جل ما يهمها هو تحقيق مصالحها الخاصة، والتناغم مع الأجندة الأميركية التي لا تزال تضع في أولوياتها تحقيق الشرق الأوسط الجديد الذي يتطلب إزاحة قوى المقاومة والممانعة وفرض نظام جديد لا مكان فيه للأحرار والشرفاء.
وتدعو هذه المصادر قوى هذه المعارضة غير البناءة إلى العودة الى رشدها، ووضع مصلحة البلد في أولوياتها لأن استمرار "المشي" عكس السير سيوصلها ـ أي المعارضة ـ إلى التهلكة، خصوصاً وأن كل المعارك التي خاضتها إلى الآن كانت معارك خاسرة، لأنه في المصطلحات الحربية من يملك الأرض ينتصر، فالمعارضة ما زالت حتى الآن تدور في فلك الأجنبي الذي لا يهمه سوى تحقيق مصالحه بغض النظر عمّن يملك القوة على الأرض.

