النسبية.. والطائفية

تشهد الساحة السياسية اللبنانية نقاشا واسعا حول قانون الانتخاب الذي سيُعتمد في العام 2013، بعد ان أعلن وزير الداخلية مروان شربل عزمه تقديم مشروع قانون في الشهرين المقبلين، يعتمد النسبية، والدوائر الموسعة.

ومن المتعارف عليه، ان النسبية هي نظام انتخابي مثالي، ويعبر عن رؤية الهيئات الناخبة تعبيرا واضحا، ولكنه يشتت هذه الهيئات الناخبة في الوقت ذاته (مثال على ذلك ما يجري في ايطاليا، حيث يتم درس اقتراح بإلغاء نظام الاقتراع النسبي حاليا واستبداله بنظام أكثري على دورتين)، علما أن بريطانيا وفرنسا تخلتا عنها ايضا.

والنسبية ركيزتها الأساسية نظام الأحزاب، فهذه الأحزاب هي التي تضع اللوائح المقفلة بأسماء المرشحين، وترتب أولوياتهم، وتعتمد فيها الاعتبارات الداخلية للحزب، من انتخابات داخلية، أو وفق المسؤوليات المناطقية، ويمكن لهذه الأحزاب ان تضم بين لوائحها أصدقاء.

وأهم شروط النسبية، ان تكون اللوائح مغلقة (أي لا يظهر ترتيب أسماؤها) ومقفلة (أي انها تضم أسماء على عدد المقاعد المخصصة للدائرة)، ويتم الاقتراع للائحة كاملة دون تشطيب أو خلط أو اختيار، وإلا تصبح العملية تفاضلية أو نظاما أكثريا مقنّعا. هذا بالمبدأ، وبالأصول المتعارف عليها لمفهوم النسبية.

اما الاجتهادات، والاقتراحات التي يتقدم بها البعض، خاصة منظمات المجتمع المدني أو المتحمسين للنسبية (كمفهوم)، دون ان يدرك بعضهم كامل حيثياتها، فإنهم كمن يزرع شجرة في تربة لا تلائمها، ما تلبث ان تموت.

يوزع الدستور اللبناني المقاعد النيابية مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، ونسبيا بين طوائف كل من الفئتين، ونسبيا بين المناطق (المادة 24) ولم ترد في الدستور صيغة محددة لقانون الانتخاب، وبالتالي فالأمر متروك للمشرع.

كلفت احدى الحكومات السابقة لجنة بدراسة اقتراح قانون الانتخاب في لبنان برئاسة الوزير السابق فؤاد بطرس، وقد تقدمت هذه اللجنة باقتراح، يشك كثيرون في امكانية تطبيقه على أرض الواقع، لأنه ليس نظاما نسبيا كاملا، وفيه تفاضلية تعتمد النظام الأكثري، كما انه لا يخضع لموازين مناطقية واحدة.

وكانت الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة كمال جنبلاط، أعلنت برنامجها المرحلي الاصلاحي الشهير عام 1976 وطالبت فيه باعتماد النظام النسبي، إلا انها ربطته بإلغاء الطائفية السياسية.

لكن العديد من أساتذة القانون الدستوري والخبراء في مجريات العملية الانتخابي يرون ان هناك استحالة لتطبيق النظام النسبي مادامت المقاعد توزع على أساس طائفي، والأفضل عدم اختيار التجربة عمليا، لأن لبنان لا يحتمل أبدا ان يكون حقل تجارب، وما حصل عام 1957 (أيام الرئيس الراحل كميل شمعون) خير دليل على ذلك، إضافة الى كون فرز أصوات الناخبين في حال اعتماد النسبية مسألة معقدة جدا، وقد تحمل الكثير من الأخطاء وبالتالي الطعون.

اما سياسيا، فيرى البعض ان النسبية ستحوّل اللوائح من محاول مناطقية الى محاول طائفية ومذهبية، تتبارى في العصبيات وتحول رؤساء هذه اللوائح الى زعماء «بازار» لترتيب أولويات الأسماء، وتخفض مستوى تأثير الأقليات السياسية والطائفية، وربما تفقد صورة التنوع الذي يميز لبنان.

ان النسبية نظام انتخابي مثالي، إلا انه لا يعيش في البيئة الطائفية اللبنانية.
  

السابق
اللواء: قيادات إسلامية تنتظر عودة الراعي لإستيضاح مواقفه
التالي
الانباء: عون يشعل ملف التعيينات بعد الكهرباء وجنبلاط يرفض المزايدات