ليس من حق أحد وخصوصاً اذا لم يكن سورياً ان يلوم المنتفضين على نظام آل الأسد من السوريين. وليس من حق أحد ان يخوّنهم تارة بالقول انهم ادوات تحركها جهات وامبريالية وصهيونية، وتارة بالجزم ان من يرعاهم ويريدهم انما يريد معاقبة النظام المذكور بسبب ممانعته لسياسة اسرائيل وحليفتها اميركا وبسبب مواجهته اطماعها واستمراره في دعم "المقاومة" الفلسطينية وتمسكه بالتحالف مع ايران الاسلامية. ذلك ان في اللوم الكثير من الظلم لهم. فالشعب السوري بكل أطيافه وقف مع فلسطين وحارب لاسترجاعها، وقدم الكثير من التضحيات في هذا السبيل.
لكن النظام الذي حكمه منذ عام 1963، استغل قضية فلسطين ليقوي نفسه وليرسخ اسسه وليطبّق سياسة داخلية قضت على الحريات والديموقراطية وصدَّعت الوحدة الوطنية. ولا يعني ذلك ان نظام الأسد المؤسس لم يكن صادقاً في تبنيه قضية فلسطين. بل يعني ان هذه القضية وبسبب التخلف والانقسام العربيين وكذلك بسبب الانحياز الغربي إلى اسرائيل، لم يعد ممكناً ان تحلها سوريا وحدها وأن تتحمل تبعاتها، فاستمرت في تبنيها ولكن خارج اراضيها، كما فتحت الابواب امام ايجاد حلول لها او امام التكيف مع استمرارها من دون حل. الى ذلك كله لا يمكن أي متابع جدي لاوضاع المنطقة ان ينسى ان سوريا الاسد التي لا مساحة فيها للديموقراطية والحرية حظيت دائماً بتقبل اميركي وغربي لها انعكس تعاوناً معها واعترافاً بدورها البناء في المنطقة. اما اسباب هذا الاعتراف فكان التزامها الكامل اتفاق فك الارتباط مع اسرائيل (1974)، وتقديمها الكثير من الخدمات للغرب وأميركا بعضها معلن وكثيرها لا يزال في دائرة الاسرار.
اما في الموضوع اللبناني فإن اللبنانيين على تناقض مواقفهم من سوريا الاسد يعترفون بدورها الايجابي في تحرير ما احتلته اسرائيل من اراضيه. لكنهم يعرفون ايضاً انها انزعجت عندما قررت اسرائيل الانسحاب من لبنان قبل أشهر من تنفيذه، وعندما رحبت حليفتها ايران بذلك بتصريح ادلى به وزير خارجيتها من جنيف. وعبَّرت عن انزعاجها بايفاد عبد الحليم خدام نائب الرئيس في حينه الى طهران الذي اكد للقيادة فيها ان الانسحاب انتصار للمقاومة لكن "اعطونا وقتاً لتدبير الامور". وافقت ايران. وقضى تدبير الامور السوري بوضع هدف جديد للمقاومة هو تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. علماً انها لبنانية فعلاً وإن كانت سوريا لا تعتبرها كذلك ضمناً.
كل ذلك يعني ان مواجهة اسرائيل كانت صادقة عند سوريا الاسد، لكنها ايضاً كانت أداة لتنفيذ استراتيجيا داخلية واقليمية ليس ضرورياً ان تكون لمصلحة الشعب السوري او لمصلحة لبنان. طبعاً لا يعني هذا الكلام موقفاً سلبياً ومتحاملاً على سوريا الاسد. إذ ليست وحدها في هذا المجال. فعلى الصعيد العربي حكمت الشمولية والديكتاتورية شعب مصر باسم فلسطين، علماً انها قاتلت من اجلها وضحت بالكثير. وعندما عجزت عن متابعة الكفاح لاسترجاعها وقَّعت سلاماً مع اسرائيل استعادت بموجبه الارض. لكنها لم تبادر الى اقامة نظام ديموقراطي حر يساوي بين المصريين. وعلى الصعيد نفسه حكم العقيد معمر القذافي ليبيا 42 سنة بالحديد والنار واستغل خيراتها وبددها مع عائلته وانصاره مستعملاً في البداية قضية فلسطين "شماعة" ثم القومية العربية فالوحدة. الا انه بعد ذلك ترك هاتين القضيتين من دون خجل وتابع مسيرة حكمه الفردي و"الالهي". وعلى الصعيد نفسه يمكن ايراد الجزائر "التقدمية" ودول الخليج المحافظة والعراق، فكلها رفعت لواء قضية فلسطين. لكن كلها او معظمها حوّلها شعاراً غطى به قضايا كثيرة وصفقات دسمة مع الدول الكبرى وطلبات حمايتها له. اما على الصعيد الاسلامي فإن ايران الاسلامية قدمت الكثير للفلسطينيين وللمقاومين العرب، ولكن من ضمن اجندا "وطنية" ايرانية بحيث بدا انها توظف كل شيء من اجل تنفيذ هذه الاجندا.
في اختصار ان البحث في موضوع كهذا يطول. والغرض من تناوله اليوم ليس الرد على أحد بل دعوة الجميع من ممانعين ومقاومين الى "متواطئين ومنحازين ومتعاونين مع الاستعمار" الى عدم استغباء الشعوب. فما يجري حالياً هو انتفاضات شعبية عفوية يعمل الغرب على توظيفها كما يعمل اعداؤه المستهدفون منه على احباطها. وظاهر الانتفاضات هو المطالبة بالديموقراطية وهي صادقة. لكن باطنها طائفي حيناً ومذهبي حيناً ومتطرف دينياً او مذهبياً حيناً. وافضل ما يقوم به الجميع هو عدم انتاج انظمة كتلك التي يثور عليها العرب اليوم، وهو ايضاً عدم الوقوع في حروب أهلية.

