الفوضى: جواب حزب الله الدائم على كل الأسئلة

حزب الله يعطل تأليف الحكومة، ورئيس الحكومة سعد الحريري أولا ومن بعده رئيس الجمهورية ميشال عون يرضخان لموقف حزب الله الذي يصادر صلاحيتهما في عملية التأليف، ذلك أن الدستور لا يتيح لغيرهما التوقيع على مرسوم التأليف، تاركا لمجلس النواب منح الثقة لها أو حجبها، هذا ما يقوله الدستور.

ما يقوله الواقع مختلف فحزب الله يعطل التأليف، والرئيسان لا يبادران إلى اتخاذ خطوة نحو تشكيل الحكومة، بذريعة أن حزب الله لم يقدم أسماء وزارئه للرئيس المكلف، وهذه الحجة تتضمن تجاوزاً لصلاحيات الرئيس المكلف، ولوكان هذا التجاوز من قبله، إذ أن عليه أن يقدم تشكيلته إلى رئيس الجمهورية بعد مشاورات مع الكتل البرلمانية.

الدستور يبدو خارج الموضوع، فما نحن عليه اليوم يعلن بوضوح أن ثمة قوة عسكرية أمنية وسياسية في آن معا، تريد أن تفرض شروطها كما تشاء، وهي ليست في وارد الافراج عن الحكومة لأسباب لا تتصل بمصلحة الشعب، ولا الدولة على وجه العموم.

اقرأ أيضاً: حزب الله لن يفرج عن حكومة لبنان الاّ بشروطه

تريد هذه القوة أن تمارس التعطيل تظهيرا لنفوذها وقوتها من جهة، ولإظهار انها مسيرة لحسابات إقليمية ومحكومة بولاء مقدس للقيادة الإيرانية من جهة ثانية، وهذا يُعدّ في حدّ ذاته تقويضا للعقد الاجتماعي بين المواطن والسلطة، واستهانة بالدستور اللبناني، وفرضا لموقف ينطوي على منهجية سياسية لا تعير الدولة اللبنانية أيّ ثقة ولا تعترف بوجود نظام مصالح للمواطنين يجب مراعاته واحترامه.

تعكس هذه المنهجية في الحدّ الأدنى حالةً من الضياع والإرباك لدى هذه القوة المسماة حزب الله، فعلى الرغم من فائض القوة الذي تمتلكه، فهي لا تدري ما تفعله به، ولا كيف تجيره لصالح دولة مستقرة وطبيعية.

ليس لدى الحزب أي فكرة يطمح إلى تحقيقها، ولا مشروع يقدمه لأنصاره، فهو لا يدعو إلى دولة يحكمها الإسلام مثلاً، كما كان يدعو يوم انطلاقته قبل أن يعود وينبذ هذا المشروع، كما لا يقدم لمن يحكمهم بإرادتهم أو باسلوب الفرض والاستقواء، أيّ برنامج سياسي لتحقيق أحلامهم، ولا يجرؤ أن يفصح أو ينفي أو يتبنى قيام دولة يحكمها الشيعة الذي يؤمن أنهم يمثلون الإسلام المحمدي الأصيل، وفق ما تعلنه كل أدبياته وسلوكياته الثقافية والتعبوية والأيديولوجية من اليمن إلى العراق و”ضاحية دمشق الزينبية”، وصولا إلى حارة حريك في الضاحية الجنوبية، التي تفيض أنوارها لتغمر سائر الكائنات الشيعية في الجغرافيا اللبنانية.

إنه الإرباك المدمر الذي يعيشه حزب الله، والذي لا يستقيم حاله إلا من خلال إثارة الفوضى من حوله، والتي تكمن مهمتها في إعدام المعايير في إدارة سياسة الدولة، أي بتعبير أدق ضرب الأسس الدستورية والقانونية والأعراف، وإحلال اختلال التوازن فيما بينها من جهة،وما بينها وبين المجتمع من جهة ثانية.

الفوضى هو جواب حزب الله السحري حين يعجز عن تقديم إجابات موضوعية على سؤال الحكم والسلطة، والغاية التي يفترض أن تنشدها أي جماعة تنتمي إلى شعب وجغرافيا ونظام حكم تحت عنوان الدولة.

حزب الله أعجز من أن يكون لديه مشروع بناء، أو رؤية لبناء دولة، ولا يجرؤ على أن يتبنى منهجاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً يمكن أن يخلص إلى فكرة واضحة اسمها الدولة، أو النظام السياسي أو القانون الذي يساوي بين المواطنين تحت سقف الدستور، وهو أعجز من أن يستخدم فائض قوته في سبيل إقامة نموذج وطني لبناني.

اقرأ أيضاً: الرئيس وحزب الله: الزوج المخدوع

إنه قوة محكومة بالفوضى، ولو بدا شديد التنظيم في ما يتصل ببنيته الحزبية والتنظيمية، وهو إلى حدّ كبير كذلك، لكن الفوضى أيضاً تحتاج في نموذجها اللبناني إلى أداة منظمة كي تصنعها، ولكي تحسن إدارتها بما يطيل من أمد عمرها.

سيقول أحد القراء وماذا عن “المقاومة”، أوليست كافية لتجيب على كل ما تدعيه من إرباك وفوضى لدى هذا “الحزب المقاوم”؟

ربما يحسن في هذه الحال تقديم الابتسامة على الإجابة، سنقول بصريح العبارة إن هذا الشعار تحول مع الأسف إلى وسيلة استقواء على المجتمعات، ومدخلاً للاستعباد والمصادرة، ليس على العدو ولا مجتمعه، بل على من يفترض أن المقاومة تنشأ من داخلهم ولأجلهم، لكن الشعوب العربية ومنها الشعب اللبناني اليوم، باتت معنية بالدرجة الأولى في أن تبقى على قيد الحياة وتتخلص من قيد الاستعباد.

تستمد القيود المفروضة على الشعوب متانتها وسطوتها من نماذج الاستبداد والموت الاقتصادي والاجتماعي، والقتل المجاني، إلى درجة بات من المؤسف معها القول إن الشعوب العربية باتت تحسد الشعب الفلسطيني على احتلاله وأرضه من قبل إسرائيل، في حين أن “المقاومة” التي عناها السائل كانت إحدى وسائل صناعة هذه الحقيقة المؤلمة… فتأمل.

آخر تحديث: 10 نوفمبر، 2018 12:06 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>