تجربة السيد محمد حسن الأمين في القضاء الشرعي

* أمضيتم أكثر من أربعة عقود من حياتكم في مجال القضاء الشرعي، كيف تقيّمون هذه التجربة؟
لم يصدر عني خطأ واحد في القضاء في كل مسيرتي، لم أصدر حكماً في القضاء إلّا بعد التحقق، فكنتُ أقضي فترةً طويلة في الدراسة قبل الحكم، ثم لم أستعمل سلطتي القضائيّة ولا مرّة في قمع المتخاصمين، علماً أنّه يحقّ للقاضي إصدار حكم بالسجن، رغم أنّه مرّ علينا كثيرون، فقط مرّة استعملت سلطة ولم أنفّذها، وأنا جالس على القوس، وكانت الدعوى بين أم وابنها، وكان الابن شريراً، وشتم أمّه، فطلبتُ أخذه إلى السجن مباشرةً، فوضعوا له القيد، وهم بطريقهم لسجنه، لكنّ أمّه التي شتمها هذه الشتيمة طلبت مني عدم سجنه، حينها قلتُ له: هذه التي شتمتَها هي التي أنقذتك.. ولم أستعمل إطلاقاً السلطة القضائية..
كما لم يؤثّر عليَّ أحد على الإطلاق، في أيّ حكم، رغم أنّ هناك أحكام ذات أهميّة كبيرة، تتضمن ربح أو خسارة الملايين، وتعلم الضغوط التي تأتي من المتنفذين والزعماء في هذا الشأن، ولكنني منذ تسلّمتُ منصب القضاء قطعت هذا الأمر، وكانت بدايته أن أحد المتقاضين بقضيّة إرث كبيرة، جاء ومعه ورقة من الرئيس عادل عسيران، فرفضتُ قراءة الورقة، ومزّقتُها أمامه..
وأذكر أنني بعد أيام التقيتُ الرئيس عسيران، وكان الشخص المعني قد أخبره بذلك، فقال لي: اعذرني فأنا يراجعني كثيرون وأضطر لأن أكتب لهم ورقة توصية، ولكن لا أقبل إلّا أن يصدر عن المحكمة إلا الحكم الصحيح الشرعي؛ ولستُ عاتباً عليك.. كما يخبرني المراجعون أنّ أكثر هؤلاء الزعماء كانوا يرفضون إرسال كتاب توصية لي، ومعروف عن أحد كبار الساسة قوله: «إذا كان السيد محمد حسين الأمين هو الذي ينظر بالقضايا فنحن نعتذر..»

اقرأ أيضاً: السيد محمد حسن الأمين.. نظرة على أجواء الدراسة في النجف

الدراسة في كليّة الفقه
سؤال: كانت دراستكم في النجف الأشرف دراسةً مركّزةً، ولفترة طويلة، ومن حُسن حظكم أن دراستكم كانت خلال العصر الذهبي للنجف.. مضافاً لكونكم قد جمعتم بين نمطين من الدراسة آنذاك، الدراسة الحوزويّة التقليديّة، والدراسة الأكاديميّة الحديثة.. كيف كانت دراستكم الأكاديميّة ؟
كان في النجف ـ قبل نشوء الدراسة الأكاديمية الحديثة الممثّلة بكليّة الفقه ـ مؤسسة دينيّة صارمة، على النحو الذي يجعل الطالب أسير المنهج المقرر في هذه الحوزة، والذي ينقصه الكثير، ليس من العلوم الحديثة فحسب، حتى من العلوم القديمة، كالتفسير، والفلسفة، وعلم الحديث.
وينقصه نقصاً فادحاً مقدّمات ومعلومات عن العلم الذي يدخل الطالب في ممارسته، كعلم النحو، الذي يبدأه الطالب مباشرة: (كلامنا لفظ مفيد كاستقم ..)، دون أن يقدم للطالب مقدّمات تاريخيّة عن علم النحو، وعن نشأته، وعن أهدافه .. ونحن نعلم أن تاريخ كل علم هو جزء لا يتجزأ من هذا العلم؛ لذلك، وفي هذا المثال بالذات أقول: إنّ المعرفة اللغويّة والنحويّة لدى طالب الحوزة هي معرفة ناقصة، وفي التطبيق المنهجي لها هي معرفة ناقصة أيضاً، بل يمكن أن نرى أنّ طالباً يحفظ المتن الكامل لألفيّة ابن مالك ولكنّه يعجز في كثير من الأحيان عن جملة، أو بيت من الشعر،

إعراباً دقيقاً!
وهكذا في كل العلوم الحوزويّة، منطقاً، وبلاغةً، وفقهاً، وأصولاً.. فليس في أي علم من هذه العلوم التي يتلقّاها الطالب مقدّمات ضافية تتحدث عن هذا العلم، وعن نشأته، وتطوّره، فضلاً عن أنّ كل علم من العلوم الإنسانيّة ـ على الأقل ـ هو خاضع للتطوّر، ويلعب تاريخ العلم دوراً في فهم هذا العلم.
وهنا أود أن أشير إلى النقص الأكبر في الدراسة الحوزويّة، فقد لا يصدّق الكثيرون ـ من غير الحوزويين طبعاً ـ الإهمال الواضح والفاضح للقرآن الكريم، الذي لا يطلب من الطالب لا حفظه أو حفظ بعضه، ولا دراسة تفسيره.. وقد وجدّتُ كثيراً من العلماء الكبار يعجزون أحياناً عن تلاوة آية من القرآن؛ الأمر الذي لا نجده في الحوزات العلميّة السنيّة مثلاً، الذي يشكل القرآن فيها أساساً للدراسة الدينيّة.
هذه الاعتبارت التي ذكرتها لم تكن غائبة عن بعض النبهاء من علماء النجف، الذين استكملوا هذا النقص بجهود شخصيّة، ولكن لم يفرضوه على مناهج الحوزة العلميّة.
لذلك، كانت فكرة إنشاء نمط آخر للدراسة الدينيّة، هو النمط الذي مثّلته كليّة الفقه، والتي كان على رأسها، ومؤسساً لها، أحد هؤلاء العلماء المتنوّرين، وهو المقدّس الشيخ محمّد رضا المظفر، والذي اشترط الدخول فيها للطلاب بأن يكونوا يملكون الحد الأدنى ـ على الأقل ـ من الرغبة في هذه الدراسات، والقدرة على استيعابها، وقد جمع بالإضافة إلى دراسات الحوزة نفسها: دراسة التفسير، والحديث، والفلسفة الإسلاميّة، والفلسفة الحديثة، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأدب العربي، واللغة الانكليزية، وكل ذلك وفقاً للمناهج الحديثة المتّبعة في جامعة بغداد.
وكانت تتطلّب ـ هذه الدراسة ـ جهداً من الطالب، أذكر على سبيل المثال أنّ أستاذاً مميّزاً للفلسفة الحديثة في جامعة بغداد استُدعيَ لتدريس السنتين الثالثة والرابعة، مادّة الفلسفة الحديثة، وهو الدكتور مدني صالح، وقد قال لي ولبعض الأفراد في آخر السنة الرابعة: «أنني حاولتُ أن أدرّس في هذه المدّة الوجيزة منهج الفلسفة الحديثة بكامله المفروض في كليّة الفلسفة بجامعة بغداد؛ وقد وفّقتُ في ذلك».

اقرأ أيضاً: الدور والتجربة الرائدة للعلاّمة السيد محمد حسن الأمين في «المؤتمر القومي الإسلامي»

وهنا أود أن أشير إلى أمر شخصي، هو أنني كنتُ قبل ذلك من المنجذبين إلى دراسة الفلسفة، وكنتُ أعلم سلفاً المواضيع التي سندرسها، وقد لاحظ الدكتور مدني صالح ذلك، واعتبرني من الطلاب المتفوقين جداً، وعمل هو والدكتور عبد الرزاق محي الدين (رحمهما الله) ـ وهو شخصيّة علميّة وأدبيّة وفكريّة وسياسيّة، كان وزيراً، وهو أديب وشاعر، وهو نجفي ـ وقد طلبا مني بعد تخرجي من الكلّيّة أن أُدرِّس اللغة العربيّة، وشيئاً من الفلسفة الإسلاميّة والحديثة في معهد جامعي في بغداد، وقد تعهّدا بهذا المعهد أن يكون عملي فيه نافعاً كمدرّس، لأنهما كانا يعتقدان فيَّ الكفاءة، وقد درّستُ لمدّة سنتين في هذا المعهد، وكنتُ أذهب من النجف إلى بغداد يومين في الأسبوع، وكانت تجربة مهمّة بالنسبة لي.
لا شكّ أنّ المنهج الحوزوي العريق في النجف كان دائماً بحاجة إلى التطوير، ولكنّه في الوقت نفسه، كان هناك من التزمت لدى الكثير من علماء الحوزة وطلابها، للإبقاء على المنهج كما هو، وقد حاربوا كليّة الفقه، واعتبروا تدريس العلوم الإنسانية التي ذكرناها صورةً من صور الخروج عن الدراسة المفروضة، والتي تقتصر على المواد التي ذكرناها؛ ولكنّ هذه الكلّيّة أثبتت حضورها، واعتراف كثير من المراجع والعلماء بها، كجزء من حوزة النجف الدينيّة، واعتبرتها جامعة بغداد واحدة من كليّاتها المعترف بها.
وإذا نظرنا للوضع الحالي للحوزة العلميّة في النجف الأشرف بعد سنين طويلة للانقطاع والجمود في الدراسة والتدريس، بسبب الظروف السياسيّة المعروفة؛ نجد أنّ هذه العقليّة الحوزويّة القديمة ما تزال قائمة، ولكن لا أدري إلى أي مدى استطاعت الحوزة العلميّة القميّة في إيران أن تطوّر هذه الدراسات، وأن تضيف إليها، ويبدو أن شيئاً من هذا قد حصل، ولكنّه ما يزال بطيئاً وخجولاً، ولكنني أتوقع المزيد من التطوّر لمناهج تجديديّة، ولعلوم إضافيّة، يتمّ تكريسها في هذه الحوزة العلميّة.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 7 أغسطس، 2018 2:40 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>