سياسة محشوة بالمذهبية أو أسباب مذهبية مدهونة بالسياسة.. والله أعلم

الدانوب أخضر والبحار في أوروبا زرقاء صيفاً خضراء شتاءً، رمالها في شواطئها متحررة من الملكيات الخاصة الجشعة ومن قساوة الباطون والأبراج الحاجبة للأفق ولمنظر الشمس، وهي تغرب بتأن حيث يلتقي ضوؤها البرتقالي بقيمة من جانب وموجة بحرية من جانب آخر.. وعلى ضفاف الدانوب يحلو لك أن تنادي الإوز فيأتي مترعاً بالأمان لأنه حرّ، وهو حرّ لأنك حرّ، أو تشبه المواطن النمساوي الحرّ، ولا تدري الإوزة بما في داخلك من جوع إلى الحرية التي لا تكون ولا تسلم ولا تنمو الا بالقانون نصاً وروحاً والتزاماً..

اقرأ أيضاً: الطائفية من دون إلغاء الطوائف.. ريمون اده يموت مرة أخرى

والنهر حرّ أيضاً يرافقك زبده الخفيف أو رذاذه اللطيف، إلى قاعات هايدن بتهوفن وموزارت وباخ وفاغنر، يومياً (أعني هنا شخصاً يشبهني من أهل فيينا) سوى شرقي آسيوي سألته عن موزارت فقال: لا، أنا لا أسمع ولا أحب إلا موسيقى عشيرتنا. علماً بأنه قضى عشر سنوات من طفولته في فيينا ونال جنسيتها. النمسا بلد رأسمالي بلا تردد أو مواربة، ولكن الحديث عن الثروات المتغولة وصاروخية نموها بالحرام والحلال، وفي غفلة من أعين مصلحة الضرائب، قليل، وتسمع أكثر عن الثروة والثراء بالإنسان وفيه، والتي تنمو بمعدلات متزايدة، مع قليل أو كثير من المشاكل التي لها علاجات سريعة وغير باهظة. وقد يصبح بعضها عضالاً، من دون أن يقوض الوطن والمواطن والدولة ودورها وضرورة تجديدها بالديموقراطية، تحت سقف الحقوق والقانون، الذي يخالفه البعض جرّاء الفهم الخاص للحرية، ولكن مصيره يكون إلى قاعة المحكمة، حيث القضاء مستقل يعدل في الثواب والعقاب، ويخطئ عمداً فيحاكم، أو سهواً فيحاسب، ليعود من على المنصة، ومن وراء ستائر التداول والشورى، عموداً للاجتماع ورافعة للدولة، تخدمه السلطات ولا يخدمها، إلا عبر العدالة والمساواة في المواطنة وموجباتها الحقوقية، وتقتنع بأدلة ملموسة، لا افتراضية كما هو في بلدك، بأن الثروة والنمو، لا تعني مقادير النفط ولا النقد الذي يختزنه البلد، بل يعني الإدارة القائمة على العلم والمعرفة والتعاقد الوثيق بين الدولة والمجتمع.
وتستوعب ذلك بوضوح لا التباس فيه، وتتحسر على حالك، وتحس بالإعجاب والمرارة معاً، عندما يحدثك معمر نمساوي، أنهم في زمن الحروب، وحتى بين حرب وحرب، كانوا، إلا قلة ضئيلة منهم، يخرجون يومياً، تحت الثلج ليحفروا بأدواتهم الفقيرة، في جبال الجيلد، بحثاً عن عروق النبات والحشرات في القاع، ليقتاتوا عليها ويسدوا جوع أطفالهم، الذين لا تهدأ أسنانهم الطرية في حلوقهم، بل تبقى مضطربة، حتى بعد تناول الوجبة التي لا تسد جوعاً، بل تمكن الطفل على النوم، انتظاراً لصباح آخر علّ عرق نبات أكبر يكون من نصيبه.

الحداثة
وعندما رآني الطبيب العراقي مطرقاً، قال لي: بأن الدولة السويدية آوته وعلّمته ومنحته الجنسية، قبل سنتين من استحقاقه القانوني لها، بسبب التزامه بالقوانين ومداومته على تسديد ضرائبه في مواعيدها. فسألته إن كان قد علم بما قاله جمال الدين الأفغاني عن تجربة مباشرة، من أنه وجد في أوروبا اسلاماً من دون مسلمين، وفي أقطار الإسلام وجد مسلمين من دون إسلام؟ فهزّ رأسه موافقاً.
من أين يأتي الهدوء إلى بعض العواصم؟ إنه يأتي من منابع كثيرة، ويأتي من الموسيقى هواية وحرفة وعلماً منقوشاً في الصغر، ومن هنا بإمكانك أن تصغي وتسمع حوار العمارة مع العمارة وبينهما أصالة وحداثة متكافئتان، وبين الشجرة والشجرة والحشرة والحشرة، وبين النحلة والوردة، والنملة وحبيبها، وهمس العشاق في الحدائق والحوار بينك وبين الناس بلا لغة، وتسمع كلام الأعمار إلى الأعمار والألوان إلى الألوان والماضي إلى الحاضر والحاضر إلى المستقبل، بإمكانك أن تصغي إلى الصمت، وبإمكانك أن تقرأ وتسمع الكلام المكتوب لفرط الهدوء من حولك، وتتذكر أنك تجبر في ليالي الصيف أن تغادر الشرفة، التي تلذ لك القراءة والكتابة عليها، رغم ازدحام السير نهاراً وبعض الليل، وزعيق منبهات السيارات، لأن أصحابها مستعجلون الوصول إلى مكان لا يبعد أكثر من مئة متر أحياناً، ومن دون ضرورة، وفي فيينا لم نسمع شيئاً، حتى ولا صوت ماكينة السيارة أو الترامواي، ولا صوت صفق أبواب السيارات والمنازل.. تضطر إذن إلى مغادرة الشرفة، بعدما يثور الرصاص من كل مكان، تعقيباً على خطاب، أو ابتهاجاً بختان عزيز، أو نجاح تلميذ في الابتدائي أو تجريباً لسلاح يراد بيعه في ساعة متأخرة من الليل، عندما ينام الشرطي الذي لا يستطيع أن يصحو ويرى ويسمع ويفعل.. ومن العاشرة وما فوق، يخلو ميدان الكورنيش الطويل العريض للدراجات النارية الضخمة، التي تأتي أرتالاً من دون عادمات، يمتلئ فضاؤك وفضاء الأطفال النيام والمرضى والعجز والطلاب الذين يقرأون للامتحان غداً، وعشاق الروايات والشعر والقرآن.. يمتلئ الفضاء بالزعيق والجعير.. ولا تنسَ المفرقعات التي تملأ الفضاء لسبب ليس سبباً ولغير سبب.
في لحظة هدوء قاتل لشدة هدوئه، لا يقوى على استيعابه جسدي ولا أذني ولا عضلاتي ولا عيني ولا ملابسي ولا أحزاني وإحباطاتي، تذكرت أن فيينا مدينة (الفالس) وسراً تذكرت أسمهان وفالسها (ليالي الأنس في فيينا) وعندما لوحت من بعيد لأحد المشايخ بما خالجني، ذكر أسمهان وأغنيتها من دون حرج، فدلني علي الفرق بين شيخ متحدر من أسرة دينية وشيخ مثلي متحدر من أسرة زراعية، وعرفت سر تأثمي من الحلال، والجميل، الذي لا يفارقني وإن حاولت فراقه، وسر استمتاع غيري بالحلال وغيره.. وتذكرت قصيدة صلاح عبد الصبور الأثيرة لدي، والتي يمكن أن أكتب بعضاً منها هنا أو كلها، لولا أن جرعة الغزل الحسي المباشر والرائع فيها كبيرة.. عندما أعود إلى بيروت سوف أقرأ القصيدة كاملة على مسامع زملائي المشايخ المعروفين بالتقوى والعلم والذوق كما كنت أفعل.. سأقرأها لهم في خلوة كما تعودنا.. فإن دخل علينا دخيل نسيناه، أنساناه الشعر واستمرت القراءة والاستحسان والتأوه، الذي يصدر عن شارب الشعر وكأنه وجع الاكتشاف.. استمرت القراءة وثنينا بنزار قباني، ختمنا بغزليات سعيد عقل والجواهري، وقرأنا سورة النور من القرآن لنقول للإثم أن يبقى بعيداً، وللروح أن تزهر فرحاً.. أو حزناً إن شاءت، ولكنه حاشد بالفرح.
لا أعرف، ولست مهتماً، بمعرفة أماكن الأنس التي كتب لها وفيها أو بوحي من ارتيادها ومراوداتها، الشاعر المصري مقطوعة الفالس التي غنتها أسمهان، ولكن عندما وصلت إلى فيينا شعرت وكأني أفي بوعد وعدته لذاتي بالكون يوماً في فضاء الأغنية.. أما حين قرأت قصيدة صلاح عبد الصبور الآسرة، فقد ظلت حاضرة في ذهني وفي ليالي الشعر التي تمرنا عليها في النجف، بعد الإفطار والدعاء والقرآن، من مقطعها الأول “وقفت قربها.. أضمها، أشمها، أحسها.. النبض نبض وثني.. والروح روح صوفي سليب البدنِ.. يا جسمها الأبيض قل: أأنت صوتْ. فقد تحاورنا كثيراً في المساء”. وبلغت القصيدة وبلغت معها قمة الدراما، عندما ختمها صلاح قائلاً “.. تمتمت من دون صوت.. كأنها تسألني من أنت”؟

اقرأ أيضاً: الدين بين المحبة والكراهية

تحية لفيينا التي يرقى جسدها إلى مستوى الروح من دون أن يكون بديلاً لها وترقى الروح إلى مقام الجسد، لا تنزل ولا تتنازل، بل تتنزل عليه لتتوحد به ومعه.. وتذكرت أمل دنقل، واقفاً في ميدان التحرير في العيد الألفي لقاهرة المعز يقول، أو يبكي، أو يدركه ذعر متذكَّر وذعر مبكر، فيحبط قائلاً: “عندما تهبطين على ساحة القوم لا تبدئي بالسلامْ، فهم الآن يقتسمون صغارك فوق صحاف الطعامْ، بعد أن أشعلوا النار في العش والقش والسنبلة، وغداً يذبحونك بحثاً عن الكنز في الحوصلة، وغداً تغتدي مدن الألف عام، مدناً للخيام، مدناً ترتقي درج المقصلة”.
أليس الشعر قبساً من النبوءة؟ أليست هي الدرجة أو المرقى الأعلى من الشعر ؟ حيث يدنو فيتدلى، فيكون {قاب قوسين أو أدنى}؟

(من كتاب في وصف الحب والحرب)

آخر تحديث: 6 مارس، 2017 4:45 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>