العالم المعقّد بعيون بسيطة: أبو حسين أوباما وأبو علي بوتين

ماذا بقي غير التخريف لإقناع جمهور تأسّس على معاداة أميركا ومقاتلة إسرائيل، بأنّه لا بدّ من التحالف مع أميركا والتنسيق مع نتنياهو، من أجل معاداة أميركا ومقاتلة نتنياهو. والحال هذه فإنّه من الضروري "تخريف" العقل الممانع وتزييف وعيه، بمقولات مثل "أبو حسين أوباما" و"أبو علي بوتين".

في البيئة الشيعية التي تتغذّى وتغذّي حزب الله، في لبنان وسوريا وربّما في العراق وغيره، لا يمكن رؤية العالم إلا بعينين صغيرتين، عينين مذهبيتين، عينين تظنّان العالم أنشىء على مقاس مجموعة بشرية صغيرة، لا تزيد نسبة عددها عن 2 أو 3 في المئة من عدد سكّان كوكب الأرض، الذي هو أقلّ من نقطة في هذا الكون اللانهائي.

حتّى من هؤلاء الـ2 في المئة، هناك أقلّ من ربع ربع ربع في المئة من سكّان العالم، يسكنون بعضاً من ضاحية بيروت الجنوبية، ويظنّون أنّهم، في يوم قريب، سيحتلّون العالم ويحكمونه.

ليس المجال متاحاً لحريّة تصل إلى التجرّؤ على نقد نظرية “المهدي النتظر” ونقد انتظار ظهوره وربط هذا الظهور بالاعتداء على مجموعات بشرية أخرى وقتل أفرادها وطردهم من أرضهم ومن بيوتهم. هذا بحث آخر.

لكنّ الإعلام الرديف لحزب الله، أي الـ”ما دون” قناة “المنار” والإعلام الرسمي، لا ينفكّ يسوّق حكايات و”تفنيصات”، ضمن ثقافة تحتقر عقول جمهوره وتسخر منهم.

حزب الله

وقد بدأ هذا الأمر في حكاية “حماية المقامات” الدينية في سوريا، بعد كذبة “حماية القرى الشيعية في سوريا”، وصولا إلى ربط الحرب في سوريا واليمن والعراق باقتراب ظهور المهدي، وربط التضحية بآلاف الشبّان اللبنانيين الشيعة بضرورة “حماية ظهر المقاومة“. تلك التي وصلت “طريقة” حمايتها إلى تنسيق شبه علني بين الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أي بين “ظهر المقاومة” وبين إسرائيل نفسها.

لنتذكّر أنّه عشية التحالف الإيراني الأميركي العلني، بعد الاتفاق النووي، وبعدما قرّر الرئيس الأميركي باراك أوباما ضرب “داعش” في العراق، وسوريا استطراداً، سرت نكتة في أوساط بيئة “حزب الله” عن أصول أوباما الشيعية، وسمّي تفكّها “أبو حسين أوباما”.

روسيا في سوريااليوم بعد التدخّل الروسي في سوريا، والصيني، مضافاً إلى أيادٍ عربية كثيرة وإيرانية وطيران أميركي وقوات تركية، بدأت تنتشر صور للرئيس الروسي فلاديمير بوتين كتب عليها “أبو علي بوتين”.

هكذا لا يمكن فهم تصرّف دول كبيرة بحسب خريطة مصالحها، وتحرّك قواتها للدفاع عن قواعدها ونفوذها، إلا من خلفية “شيعية”. فأوباما جاء بالطائرات الأميركية لأنّه يحمل “شرشاً مسلماً” أو “شيعياً”، كذلك فإنّ بوتين قرّر مساندة الأسد فبات “أبو علي”. لسنا نحن، لبنانيين وسوريين، من بتنا أحجاراً في أيدي أوباما وبوتين، بل هم جاؤوا ليقوموا بما تمليه عليهم “شيعية متأخّرة” وصلوا إليها، وإلينا.

هذا ليس تضخيماً لمزحة. هذه طريقة فهم شريحة كبيرة من جمهور حزب الله للعالم الذي يعيشون فيها. أو قل هي طريقة “سوء فهم” هذا الجمهور لأهمية المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية، التي تحرّك الدول الكبرى وجيوشها، والتي تسرق منهم أبناءهم وتعيدهم في توابيت، بالآلاف، إلى الجنوب والضاحية والبقاع.

وهذه ثقافة كاملة يغذّيها المعلّقون والمحلّلون السياسيون المضحكون، و”المهابيل” الذين نراهم على شاشات الممانعة. أولئك الذين لا يمكن أن يقنعوا أحداً خارج تلك البيئة بما يقولونه. فدورهم يقتصر على “استحمار” و”استهبال” جمهور الممانعة، وتغذيته بتحليلات خرافية.

أصلاً ماذا بقي غير التخريف، لإقناع جمهور، تأسّس على معاداة أميركا ومقاتلة إسرائيل، بأنّه لا بدّ من التحالف مع أميركا والتنسيق مع نتنياهو، من أجل معاداة أميركا ومقاتلة نتنياهو.

والحال هذه فإنّه من الضروري “تخريف” عقل الجمهور الممانع وتزييف وعيه، بمقولات مثل “أبو حسين أوباما” و”أبو علي بوتين”، كنتيجة حتمية لعدم القدرة على رؤية العالم بغير عيون زواريب بئر العبد وحارة حريك.

آخر تحديث: 5 أكتوبر، 2015 12:03 م

مقالات تهمك >>