مفاوضات روما نحو تثبيت «الاطار».. ولبنان بين فرصة الاستقرار ومواجهة الانقسام الداخلي

Police Motorcade Lebanon Israel Talks US embassy in Rome (Getty Images)

مع انتقال المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية من مرحلة رسم المبادئ إلى البحث في آليات التنفيذ، يبدو أن لبنان دخل مرحلة مختلفة عنوانها اختبار القدرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى وقائع ميدانية. فالتقدم الذي سُجل في روما لا يعني أن الطريق أصبحت سالكة، بل يؤشر إلى أن المفاوضات بلغت أكثر مراحلها حساسية، حيث تتحول التفاصيل العسكرية والأمنية والقانونية إلى العنصر الحاسم في نجاح الاتفاق أو تعثره.

وفي موازاة هذا المسار، يعكس المشهد الداخلي استمرار الانقسام حول مقاربة السلطة للاتفاق، فيما تفرض الجلسة التشريعية الساخنة واقعاً سياسياً يؤكد أن الاستحقاقات الداخلية لن تكون أقل تعقيداً من المفاوضات الخارجية.

من الإطار إلى التنفيذ

المعطيات الصادرة عن بعبدا توحي بأن النقاش لم يعد يدور حول مبدأ الاتفاق، بل حول كيفية تطبيقه وتحديد توقيت إطلاقه. فالحديث عن “منطقتين نموذجيتين” يشير إلى اعتماد مقاربة تدريجية تقوم على اختبار آليات التنفيذ قبل توسيعها إلى مناطق أخرى، بما يسمح بقياس مستوى الالتزام الميداني وتفادي أي اهتزاز قد يطيح بالمسار برمته.

ويكتسب الاجتماع العسكري الافتراضي المقرر الجمعة أهمية استثنائية، لأنه سيكون المحطة العملية الأولى لترجمة ما أُنجز سياسياً، سواء لناحية تثبيت المناطق التجريبية أو تحديد جدول الانسحاب الإسرائيلي وتعزيز انتشار الجيش اللبناني.

واشنطن تدخل مرحلة الدعم السياسي

في موازاة الحراك التقني، برزت إشارات سياسية أميركية لافتة. فتصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الانسحاب الإسرائيلي من أجزاء من لبنان “أمر جيد” يمنح زخماً إضافياً للمسار التفاوضي، فيما يعكس كلام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بأن “الإطار أفضل الممكن” قناعة رسمية بأن ميزان القوى الإقليمي والدولي لا يتيح للبنان تحقيق شروط أكثر تقدماً في المرحلة الراهنة.

وتكتسب زيارة عون المرتقبة إلى البيت الأبيض أهمية مضاعفة، إذ تبدو فرصة لتثبيت المظلة الأميركية الداعمة للتنفيذ، خصوصاً بعدما أكد أن الملف اللبناني بات على طاولة الرئيس الأميركي، وأن واشنطن أصبحت أكثر استعداداً للاستماع إلى الطروحات اللبنانية.

اعتراض سياسي مستمر

في المقابل، لا يبدو أن المعارضة، وفي مقدمها حزب الله، في وارد تخفيف انتقاداتها للاتفاق. فاعتبار النائب حسن فضل الله أن ما يجري هو “أسوأ اتفاق في تاريخ الدول” يعكس استمرار الرهان على إسقاط شرعيته السياسية، حتى مع تقدم المفاوضات التنفيذية.

وبذلك، ينتقل السجال من نقاش حول جدوى التفاوض إلى مواجهة سياسية حول طبيعة المرحلة المقبلة ودور الدولة في إدارة الملف الأمني جنوباً، وهو انقسام مرشح للاستمرار مع بدء تنفيذ أي خطوات ميدانية.

رسائل أمنية وتشريعية

بالتوازي مع المسار التفاوضي، حمل تسلّم الجيش اللبناني مكاتب حركة الانتفاضة عند مدخل مخيم البداوي رسالة واضحة بأن المؤسسة العسكرية تواصل توسيع حضورها الميداني وتعزيز سلطة الدولة في المناطق الحساسة، بما ينسجم مع المناخ العام الذي يرافق المفاوضات.

أما داخل مجلس النواب، فقد عكست السجالات الحادة حول قوانين العفو العام، وعقوبة الإعدام، وحقوق المتعاقدين، حجم التباينات السياسية التي لا تزال تتحكم بالحياة البرلمانية، رغم نجاح المجلس في إقرار عدد من القوانين الأساسية قبل استئناف الجلسة مساء.

مرحلة الاختبار

يقف لبنان اليوم أمام مرحلة دقيقة تختلف عن كل ما سبقها. فالمفاوضات تجاوزت مرحلة العناوين العامة، وأصبحت أمام اختبار التنفيذ الفعلي، حيث سيكون نجاح الخطوات الأولى عاملاً حاسماً في بناء الثقة بين الأطراف، فيما سيؤدي أي تعثر إلى إعادة خلط الأوراق.

وإذا كان الدعم الأميركي والتقدم التقني يمنحان زخماً لهذا المسار، فإن نجاحه سيبقى رهناً بقدرة الدولة اللبنانية على إدارة التوازن بين مقتضيات التنفيذ، والحفاظ على الإجماع الداخلي، ومنع الانقسامات السياسية من التحول إلى عائق أمام فرصة قد تكون من أبرز المحطات التي يشهدها لبنان منذ سنوات.

السابق
شبكة تمتد عبر أربع دول… عقوبات أميركية تستهدف شريان تسليح الحرس الثوري